صديق الحسيني القنوجي البخاري
426
فتح البيان في مقاصد القرآن
لهم ، وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه ، وقرفه إذا رماه بالرمية واقترف كذب ، وأصله اقتطاع قطعة من الشيء أي ليكتسبوا من الأعمال الخبيثة ما هم مكتسبون . وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة لأنه أولا يكون الخداع فيكون الميل فيكون الرضا فيكون الفعل أي الاقتراف ، فكل واحد مسبب عما قبله قاله أبو حيان . أَ فَغَيْرَ اللَّهِ كلام مستأنف وارد على إرادة القول والاستفهام للإنكار أي قل لهم يا محمد كيف أضل وأميل إلى زخارف الشياطين و أَبْتَغِي غير اللّه حَكَماً هو أبلغ من الحاكم كما تقرر في مثل هذه الصفة المشتقة ، أمره اللّه سبحانه وتعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه من أن يجعل بينهم وبينه حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى فيما اختلفوا فيه وإن اللّه هو الحكم العدل بينه وبينهم . وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ أي القرآن مُفَصَّلًا مبينا واضحا مستوفيا لكل قضية على التفصيل وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور ، أخبر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم بأن أهل الكتاب وإن أظهروا الجحود والمكابرة فإنهم يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي القرآن مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ أي من عند اللّه مما دلتهم عليه كتب اللّه المنزلة كالتوراة والإنجيل من أنه رسول اللّه وأنه خاتم الأنبياء بِالْحَقِّ حال أي متلبسا بالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين فيه . نهاه اللّه عن أن يكون من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من عند اللّه بالحق ، وبه قال الزمخشري : أو نهاه عن مطلق الامتراء ويكون ذلك تعريضا لأمته عن أن يمتري أحد منهم ، أو الخطاب لكل من يصلح له أي فلا يكونن أحد من الناس من الممترين ، ولا يقدح في ذلك كون الخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإن خطابه خطاب لأمته . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ قرأ أهل الكوفة كلمة بالتوحيد والباقون بالجمع والمراد العبارات أو متعلقاتها من الوعد والوعيد ، والمعنى أن اللّه قد أتم وعده ووعيده فظهر الحق وانطمس الباطل ، وقيل المراد بالكلمة أو الكلمات القرآن أي لا أحد يقدر على تحريفه كما فعل بالتوراة فيكون هذا ضمانا له من اللّه بالحفظ أو لا نبي ولا كتاب بعده ينسخه ، ومعنى تمت بلغت الغاية ، وعن أنس مرفوعا قال : [ لا إله إلا اللّه ] أخرجه ابن مردويه وابن النجار . وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد اللّه قال : دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة ولكل قوم صنم يعبدونه فجعل يأتيها صنما صنما ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره فكلما طعن صنما اتبعه ضربا بالقوس حتى يكسروه ويطرحوه خارجا من المسجد والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : وتمت كلمات ربك الآية .