صديق الحسيني القنوجي البخاري
415
فتح البيان في مقاصد القرآن
غذاء ، وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفواكه ، وإنما قدم النخلة على غيرها لأن ثمرتها تجري مجرى الغذاء وفيها من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار ، وإنما ذكر العنب عقب النخلة لأنها من أشرف أنواع الفواكه ، ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والمنافع الكثيرة في الأكل وسائر وجوه الاستعمال ، ثم ذكر عقبه الرمان لما فيه من الفوائد العظيمة لأنه فاكهة ودواء وقيل خص الزيتون والرمان لقرب منابتهما من العرب كما في قول اللّه تعالى : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [ الغاشية : 17 ] . انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ أي ثمر كل واحد مما ذكر يعني رطبه وعنبه ، قاله محمد بن كعب القرطبي قرىء ثمره بفتح الثاء والميم وبضمهما وهو جميع ثمرة كشجرة وشجر ، وخشبة وخشب إِذا أَثْمَرَ أي إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفا لا ينتفع به وَيَنْعِهِ عن البراء قال : نضجه أي إدراكه كيف يعود شيئا جامعا لمنافع . أمرهم اللّه سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر وإلى ينعه إذا أينع كيف أخرج هذه الثمرة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة ونقلها من حال إلى حال ، والثمر في اللغة جناء الشجر واليانع الناضج الذي قد أدرك وحان قطافه ، قال ابن الأنباري : الينع جمع يانع كركب وراكب وقال الفراء : أينع أحمر . إِنَّ فِي ذلِكُمْ الإشارة إلى ما تقدم ذكره مجملا ومفصلا لَآياتٍ أي لآيات عظيمة أو كثيرة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته ، فإن حدوث هاتيك الأجناس المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحد وانتقالها من حال إلى حال على نمط بديع يحار في فهمها الألباب ، لا يكاد يكون إلا بإحداث صانع يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته من الوجوه الممكنة على غيره ولا يعوقه عن ذلك ضد يناويه أو ند يقاويه . لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ باللّه استدلالا بما يشاهدونه من عجائب مخلوقاته التي قصها عليهم ، وقيل معنى يؤمنون يصدقون يعني أن الذي يقدر على ذلك قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم . وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ هذا كلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم ، والمعنى أنهم جعلوا شركاء للّه فعبدوهم كما عبدوه وعظموهم كما عظموه ، قال الحسن : أي أطاعوا الجن في عبادة الأوثان ، وقال الزجاج : أطاعوهم فيما سولت لهم من شركهم ، وقيل المراد بالجن ههنا الملائكة لاجتنانهم أي استتارهم وهم الذين قالوا الملائكة بنات اللّه . وقيل نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن اللّه تعالى وإبليس إخوان ، فاللّه خالق الناس والدواب ، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب ، روي ذلك عن الكلبي نقله