صديق الحسيني القنوجي البخاري
398
فتح البيان في مقاصد القرآن
فلا يخرج شيء عن علمه قال أبو البقاء : لأن ما يسع الشيء فقد أحاط به ، والعالم بالشيء محيط بعلمه فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته ، وإذا شاء إنزال شر بي كان حسب مشيئته ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن . ثم قال لهم مكملا للحجة عليهم ودافعا لما خوفوه به أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أي تعتبرون أن هذه الأصنام جمادات لا تضر ولا تنفع ، وأن النافع الضار هو الذي خلق السماوات والأرض ومن فيهما . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 81 ] وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ أي كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق ولا يبصر ولا يسمع ولا يقدر شيئا استئناف مسوق لنفي الخوف عنه بالطريق الإلزامي بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر بقوله سابقا ولا أخاف ما تشركون به . وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ أي والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك باللّه وهو الضار النافع الخالق الرازق ، أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصا ولا متحولا ، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم . ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً أي ما ليس لكم فيه حجة وبرهان يعني لا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطانا شركاء للّه ، والمعنى أن اللّه سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له ولا نزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها ، فكيف عبدوها واتخذوها آلهة وجعلوها شركاء اللّه سبحانه . فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ المراد فريق المؤمنين وفريق المشركين أي إذا كان الأمر على ما تقدم من أن معبودي هو اللّه المتصف بتلك الصفات ، ومعبودكم هي تلك المخلوقات والجمادات ، فكيف تخوفوني بها وكيف أخافها وهي بهذه المنزلة ، ولا تخافون من إشراككم باللّه سبحانه ، وبعد هذا فأخبروني أي الفريقين أحق بالأمن من العذاب وعدم الخوف في يوم القيامة الموحد أم المشرك ، ولم يقل أينا أحق أنا أم أنتم احترازا عن تزكية نفسه ، والمراد من الأحق الحقيق . إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ بحقيقة الحال وتعرفون البراهين الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة ، ثم قال اللّه سبحانه قاضيا بينهم ومبينا لهم : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 82 إلى 83 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أي هم الأحق بالأمن من الذين