صديق الحسيني القنوجي البخاري

393

فتح البيان في مقاصد القرآن

المذكور حقيقته أو المراد به التمثيل والتشبيه تقريبا للعقول ، لأن سرعة قدرته تعالى أقل زمنا من زمن النطق بكن والأول أولى فَيَكُونُ تام وفي فاعله أوجه . أحدها : أنه ضمير جميع ما يخلقه اللّه تعالى يوم القيامة . الثاني : أنه ضمير الصور المنفوخ فيه ودل عليه يوم ينفخ في الصور . الثالث : أنه ضمير اليوم أي فيكون ذلك اليوم العظيم . الرابع : أن الفاعل هو قَوْلُهُ و بِالْحَقِّ صفته أي فيوجد قوله الحق ويكون الكلام على هذا قد تم على الحق . والمعنى قوله للشيء إذا أراده كن فيكون حق وصدق ، وقيل المعنى لا يكون شيء من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب ، وقيل المعنى وأمره المتعلق بالأشياء الحق أي المشهود له بأنه حق وقيل المعنى قوله المتصف بالحق كائن يوم يقول ، الآية وقرىء فنكون بالنون وهو إشارة إلى سرعة الحساب وقرىء بالتحتية وهو الصواب . وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي له الملك في هذا اليوم وقيل هو بدل من اليوم الأول أخبر عن ملكه يومئذ وإن كان الملك له خالصا في كل وقت في الدنيا والآخرة لأنه لا منازع له يومئذ يدعى الملك ، والصور قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء والثانية للإنشاء ، وهو لغة أهل اليمن ، وكذا قال الجوهري : إن الصور القرن أي المستطيل وفيه جمع الأرواح وفيه ثقب بعددها فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبها وصلت لجسدها فتحله الحياة . قال مجاهد : الصور كهيئة البوق وقرىء الصور جمع صورة والمراد الخلق وبه قال الحسن ومقاتل قال أبو عبيدة : وهذا وإن كان محتملا يرد بما في الكتاب والسنة قال اللّه تعالى : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى [ الزمر : 68 ] . وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وعبد بن حميد وابن المبارك عن عبد اللّه بن عمرو قال سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الصور فقال : « قرن ينفخ فيه » « 1 » ، وأجمع عليه أهل السنة ، والأحاديث الواردة في كيفية النفخ ثابتة في كتب الحديث لا حاجة لنا إلى إيرادها ههنا . عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ صفة للذي خلق السماوات والأرض أو هو يعلم ما غاب من عباده وما يشاهدونه فلا يغيب عن علمه شيء وَهُوَ الْحَكِيمُ في جميع ما يصدر عنه الْخَبِيرُ بكل شيء .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 39 ، باب 8 ، والقيامة باب 8 ، والدارمي في الرقاق باب 79 ، وأحمد في المسند 2 / 126 ، 192 .