صديق الحسيني القنوجي البخاري

385

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 62 إلى 63 ] ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ( 62 ) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 63 ) ثُمَّ رُدُّوا الضمير راجع إلى أحد لأنه في معنى الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، والسر في الإفراد أولا والجمع ثانيا وقوع التوفي على الانفراد ، والرد على الاجتماع أي ردوا بعد الحشر . إِلَى اللَّهِ أي إلى حكمه وجزائه وبه قال جمهور المفسرين ، ويحتمل أن يكون هذا الرد إلى اللّه بعد الموت فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أن الملائكة يصعدون بأرواح الموتى من سماء إلى سماء حتى تنتهي بها إلى السماء السابعة ، وفي رواية إلى السماء التي فيها اللّه ، ثم ترد إلى عليين أو سجين . وفي الآية دليل على علوه تعالى من خلقه واللّه أعلم ، وقيل ردوا أي الخلق أو الملائكة قال الكلبي : يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو العذاب ويصعدون بها إلى السماء حكاه القرطبي . مَوْلاهُمُ مالكهم الذي يلي أمورهم أو خالقهم ومعبودهم الْحَقِّ صفة لاسم اللّه وقرىء الحق بالنصب إضمار فعل أي أعني أو أمدح أو المصدر ، وإنما قال ذلك لأنهم كانوا في الدنيا تحت أيدي موال بالباطل ، واللّه مولاهم وسيدهم بالحق . أَلا لَهُ الْحُكْمُ أي لا حكم إلا له لا لغيره لا بحسب الظاهر ولا بحسب الحقيقة وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ لكونه لا يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الفكر والروية والتدبر . قُلْ توبيخا وتقريرا لهم بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلهية مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ المراد بظلماتهما شدائدهما الهائلة التي تبطل الحواس وتدهش العقول ولذلك استعير لهما الظلمات المبطلة لحاسة البصر ، قال النحاس : والعرب تقول يوم مظلم إن كان شديدا فإذا عظمت ذلك قالت يوم ذو كوكب أي اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته وفي ظهور الكواكب فيه لأنها لا تظهر إلا في الظلمة وقيل حمله على الحقيقة أولى . فظلمة البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى طريق الصواب . وظلمة البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك ، فالمقصود أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى اللّه تعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله :