صديق الحسيني القنوجي البخاري

383

فتح البيان في مقاصد القرآن

لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما ، وعلى هذا هو بيان لتعلق علمه بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات ، قال مجاهد : البر المفاوز والقفار ، والبحر القرى والأمصار لا يحدث فيهما شيء إلا وهو يعلمه . وقال الجمهور : هو البر والبحر المعروفان لأن جميع الأرض إما بر ، وإما بحر وفي كل واحد منهما من عجائب وغرائب ما يدل على عظيم قدرته وسعة علمه . وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ أي من ورق الشجر وما يبقى عليه وهو تخصيص بعد التعميم إِلَّا يَعْلَمُها ويعلم زمان سقوطها ومكانه وقيل المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق ، وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم ، قال ابن عطية : هذا قول جار على طريقة الرموز ، ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه . وَلا حَبَّةٍ كائنة فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ أي في الأمكنة المظلمة وقيل في بطن الأرض قبل أن ينبت ، وقيل هي الحبة في الصخرة التي في أسفل الأرضين وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ بنوع دون نوع إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ هو اللوح المحفوظ فتكون هذه الجملة بدل اشتمال من إِلَّا يَعْلَمُها وقيل هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل من تلك الجملة قاله الخطيب . وقال الزمخشري : هو كالتكرير لقوله : إِلَّا يَعْلَمُها لأن معناهما واحد ، قال الشيخ ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد ، وحسن كونه فاصلا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 60 إلى 61 ] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ( 61 ) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ينيمكم بِاللَّيْلِ فيقبض فيه نفوسكم التي بها تميزون ، وليس ذلك موتا حقيقة فهو مثل قوله : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [ الزمر : 42 ] والتوفي استيفاء الشيء وتوفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته أجمع ، قيل إن في الجسد روحين ، روح الحياة وهي لا تخرج إلا بالموت وروح التمييز وهي تخرج بالنوم فتفارق الجسد فتطوف بالعالم وترى المنامات ثم ترجع إلى الجسد عند تيقظه . وقيل غير ذلك ، والأولى أن هذا الأمر لا يعرفه إلا اللّه سبحانه . وقد أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « مع كل إنسان ملك إذا نام يأخذ نفسه ، فإذا أذن اللّه في قبض روحه قبضها وإلا ردها إليه فذلك قوله تعالى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ » .