صديق الحسيني القنوجي البخاري

38

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلا يحل لكم أن تَعْضُلُوهُنَّ عن أن يتزوجهن غيركم ضرارا لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح ، وقيل الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعا في إرثهن أو يفتدين ببعض مهورهن ، واختاره ابن عطية ، وأصل العضل المنع أي لا تمنعوهن من الأزواج ودليل ذلك قوله : إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فإنها إذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بما لها إجماعا من الأمة ، وإنما ذلك للزوج ، قال الحسن : إذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى ويرد إلى زوجها ما أخذت منه ، وقال أبو قلابة إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه ، وقال السدي : إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن . وقال قوم الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا ، وقال مالك وجماعة من أهل العلم للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك . هذا كله على أن الخطاب في قوله : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأزواج ، وقد عرفت ما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب في قوله : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لمن خوطب بقوله : لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [ النساء : 19 ] فيكون المعنى ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن أي ما آتاهن من ترثونه إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز لكم حبسهن عن الأزواج . ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج وتستعف من الزنا . وكما أن جعل قوله : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ خطابا للأولياء فيه التعسّف ، كذلك جعل قوله : لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً خطابا للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفته بسبب نزول الآية الذي ذكرناه . والأولى أن يقال إن الخطاب في قوله : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ للمسلمين أي لا يحل لكم معاشر المسلمين أن ترثوا النساء كرها كما كانت تفعله الجاهلية ، ولا يحل لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم أي تحبسوهن عندكم مع عدم رغبتكم فيهنّ ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من المهور يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم وفي عقدتكم مع كراهتكم لهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز لكم مخالعتهن ببعض ما آتيتموهن . والاستثناء من أعم الأحوال والأوقات أو من أعم العلل أي لا يحل لكم عضلهن في حال أو وقت أو لعلة إلا في حال أو وقت أو لأجل إيتانهنّ بها فإن السبب حينئذ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخلع .