صديق الحسيني القنوجي البخاري

378

فتح البيان في مقاصد القرآن

164 ] وقوله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] وقوله إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي [ الشعراء : 113 ] . فَتَطْرُدَهُمْ هو من تمام الاعتراض أي إذا كان الأمر كذلك فاقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل فَتَكُونَ جواب للنهي أي فإن فعلت ذلك كنت مِنَ الظَّالِمِينَ وحاشاه عن وقوع ذلك وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره صلى اللّه عليه وسلم من أهل الإسلام كقوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] . أخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال : لقد نزلت هذه الآية في ستة أنا وعبد اللّه بن مسعود وبلال ورجل من هذيل ورجلين لست اسميهما فقال المشركون للنبي صلى اللّه عليه وسلم اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا ، فوقع في نفس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما شاء اللّه أن يقع فحدث نفسه فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » ، وقد روي في بيان السبب روايات موافقة لما ذكرنا في المعنى . وَكَذلِكَ أي مثل تلك الفتن العظيمة فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي ببعض الناس وابتلينا الغني بالفقير ، والفقير بالغني ، والشريف بالوضيع ، فكل أحد مبتلى بضده ، والفتنة الاختبار أي عاملناهم معاملة المختبرين لِيَقُولُوا اللام للصيرورة كقوله : لدوا للموت وابنوا للخراب « 2 » وقوله لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] وقيل : إنها لام كي وهو أظهر ، وعليه أكثر المعربين والتقدير ومثل ذلك الفتون فتنا ليقول البعض الأول مشيرا إلى البعض الثاني . أَ هؤُلاءِ الذين مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أي أكرمهم بإصابة الحق دوننا قال النحاس : وهذا من المشكل لأنه يقال كيف فتنوا ليقولوا هذا القول وهو إن كان على طريقة الإنكار فهو كفر ، وأجاب بجوابين الأول أن ذلك واقع منهم على طريقة الاستفهام لا على سبيل الانكار والثاني أنهم لما اختبروا بهذا كان عاقبة هذا القول منهم كقوله فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] قال ابن

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 46 . ( 2 ) عجزه : فكلكم يصي إلى ذهاب والبيت من الوافر ، وهو لأبي العتاهية في ديوانه ص 33 ، وللإمام علي بن أبي طالب في خزانة الأدب 9 / 529 - 531 ، والدرر 4 / 167 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 3 / 33 ، والجنى الداني ص 98 .