صديق الحسيني القنوجي البخاري

369

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأصله الميل إلى ناحية من النواحي ، والمعنى ما من دابة من الدواب التي تدب في أي مكان من أمكنة الأرض ولا طائر يطير في أي ناحية من نواحيها . إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أي طوائف متخالفة وجماعات كل أمة منها مثلكم خلقهم اللّه كما خلقكم ورزقهم كما رزقكم ، داخلة تحت علمه وتقديره واحاطته بكل شيء وقيل أمثالكم في ذكر اللّه والدلالة عليه ، وقيل أمثالكم في كونهم محشورين ، روي ذلك عن أبي هريرة . وقال سفيان بن عيينة : أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه فمنهم من يعدو كالأسد ، ومنهم من يشره كالخنزير ، ومنهم من يعوي كالكلب ، ومنهم من يزهو كالطاووس ، وقيل أمثالكم في أن لها أسماء تعرف بها قاله مجاهد ، وقال الزجاج : أمثالكم في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائنا ما كان . وعن قتادة قال : الطير أمة والأنس أمة والجن أمة ، وعن السدي قال : خلق أمثالكم وعن ابن جريج قال الذرة فما فوقها من ألوان ما خلق اللّه من الدواب ، ويدل على أن كل جنس من الدواب أمة ما روى عبد اللّه بن مغفل عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم » « 1 » ، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي . ما فَرَّطْنا أي ما أغفلنا ولا أهملنا ولا ضيعنا فِي الْكِتابِ مِنْ مزيدة لاستغراق شَيْءٍ والجملة اعتراضية مقررة لمضمون ما قبلها ، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ فإن اللّه أثبت فيه جميع الحوادث ، وعلى هذا فالعموم ظاهر ، وقيل المراد به القرآن أي ما تركنا في القرآن من شيء من أمر الدين إما تفصيلا أو إجمالا ، ومثله قوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] وقال : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكل حكم سنه الرسول لأمته قد ذكره اللّه سبحانه في كتابه العزيز بهذه الآية وبنحو قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] وبقوله : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المساقاة حديث 47 ، وأبو داود في الأضاحي باب 21 ، والترمذي في الصيد باب 16 ، 17 ، والنسائي في الصيد باب 10 ، وابن ماجة في الصيد باب 2 ، 4 ، والدارمي في الصيد باب 3 ، وأحمد في المسند 3 / 333 ، 4 / 85 ، 5 / 54 ، 56 ، 57 ، 158 .