صديق الحسيني القنوجي البخاري

366

فتح البيان في مقاصد القرآن

المضمر لزيادة التوبيخ لهم والإزراء عليهم ، ووصفهم بالظلم لبيان أن هذا الذي وقع منهم ظلم بين بِآياتِ اللَّهِ أي القرآن يَجْحَدُونَ في العلانية كما قال تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 14 ] قال قتادة : يعلمون أنك رسول اللّه ويجحدون . وعن أبي يزيد المدني أن أبا جهل قال : واللّه إني لأعلم أنه صادق ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف ، والجحد والجحود نفي ما في القلب إثباته أو إثبات ما في القلب نفيه ، وقيل الجحد إنكار المعرفة فليس مرادفا للنفي من كل وجه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 34 إلى 36 ] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ هذا من جملة التسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وذلك لأن عموم البلوى مما يهون أمرها بعض تهوين وتصدير الكلمة بالقسم لتأكيد التسلية أي : إن هذا الذي وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأول ما صنعه الكفار مع من أرسله اللّه إليهم ، بل قد وقع التكذيب لكثير من الرسل المرسلين من قبلك . فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا أي على تكذيب قومهم إياهم وَأُوذُوا أي وصبروا على أذاهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا بإهلاك من كذبهم ، والظاهر أن هذه الغاية متعلقة بقوله فصبروا أي كان غاية صبرهم نصر اللّه إياهم . وفيه التفات من ضمير الغيبة إلى التكلم إذ قبله بآيات اللّه فلو جاء على ذلك لقيل نصره وفائدة الالتفات إسناد النصر إلى المتكلم المشعر بالعظمة أي فاقتد بهم ولا تحزن ، واصبر كما صبروا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم فإنا لا نخلف الميعاد ، ولكل أجل كتاب إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا [ غافر : 51 ] وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 171 - 173 ] كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] . وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ بل وعده كائن وأنت منصور على المكذبين ظاهر عليهم وقد كان ذلك وللّه الحمد وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ما جاءك من تجرىء قومهم عليهم في الابتداء وتكذيبهم لهم ثم نصرهم عليهم في الانتهاء وأنت ستكون عاقبة هؤلاء المكذبين لك كعاقبة المكذبين للرسل فيرجعون إليك ويدخلون في الدين الذي تدعوهم إليه طوعا أو كرها .