صديق الحسيني القنوجي البخاري

36

فتح البيان في مقاصد القرآن

مجلز والضحاك وعكرمة وغيرهم ، وقيل المراد قبل المعاينة للملائكة وغلبة المرء على نفسه . ومن للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب ، وهو ما عدا وقت حضور الموت ، وإنما كان الزمن الذي بين فعل المعصية وبين وقت الغرغرة قريبا ولو كان سنين لأن كل ما هو آت قريب وإن طال قليل . وفيه تنبيه على أن الإنسان ينبغي له أن يتوقع في كل ساعة نزول الموت به ، وقيل معناه قبل المرض وهو ضعيف بل باطل لما قدمنا ولما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » « 1 » . وقيل معناه يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار ، قال ابن عباس : في الحياة والصحة ، وقال الضحاك : كل شيء قبل الموت فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت . فإذا تاب حين ينظر ملك الموت فليس له ذلك ، وقال الحسن القريب ما لم يغرغر . وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر ذكرها ابن كثير في تفسيره ، ومنها الحديث الذي قدمنا ذكره ، والغرغرة أن يجعل المشروب في فم المريض فيردّه في الحلق ولا يصل إلى جوفه ، ولا يقدر على بلعه . وذلك عند بلوغ الروح إلى الحلقوم . وقيل الغرغرة تردد الروح في الحلق . فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هو وعد منه سبحانه بأنه يتوب عليهم ويقبل توبتهم بعد بيانه أن التوبة لهم مقصورة عليهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما في قلوبهم من التصديق فحكم بالتوبة قبل الموت ولو بقدر فواق ناقة ، وقيل علم أنه أتى بتلك المعصية باستيلاء الشهوة والجهالة عليه فحكم بالتوبة لمن تاب عنها وأناب عن قريب حَكِيماً في صنعه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 18 ] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الذنوب ، فيه تصريح بما فهم من حصر التوبة فيما سبق على من عمل السوء بجهالة ثم تاب عن قريب ، قال أبو العالية : هذه لأهل النفاق وبه قال سعيد بن جبير ، قال ابن عباس : يريد أهل الشرك أي

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 98 ، وابن ماجة في الزهد باب 30 ، وأحمد في المسند 2 / 132 ، 153 ، 5 / 425 .