صديق الحسيني القنوجي البخاري
355
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن جملة ذلك المس بالخير والشر ، وهذا الخطاب وإن كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم فهو عام لكل واحد . وعن ابن عباس قال : كنت خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما فقال لي : « يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ اللّه يحفظك احفظ اللّه تجده تجاهك إذا سألت فاسأل اللّه وإذا استعنت فاستعن باللّه ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلى بشيء قد كتبه اللّه عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف » « 1 » ، أخرجه الترمذي وزاد فيه رزين تعرّف إلى اللّه في الرّخاء يعرفك في الشدة قال ابن الأثير : وقد جاء نحو هذا ومثله بطوله في مسند أحمد . وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ القهر الغلبة والقاهر الغالب وأقهر الرجل إذا صار مقهورا ذليلا ، ومن الأول قوله : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ [ الأعراف : 127 ] ومن الثاني فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [ الضحى : 9 ] قيل ومعنى فوق فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم لا فوقية المكان كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة ، وقيل هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به سبحانه فهو علي الذات وسمي الصفات وقال ابن جرير الطبري : معنى القاهر المتعبد خلقه العالي عليهم . وإنما قال فوق عباده لأنه تعالى وصف نفسه بقهره إياهم ومن صفة كل قاهر شيئا أن يكون مستعليا عليه انتهى ، أي استعلاء يليق به وقيل هو القاهر مستعليا أو غالبا ذكر أبو البقاء والمهدوي وفي القهر معنى زائدة ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بأفعال عباده . قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الشيء يطلق على القديم والحادث والمحال والممكن ، والمعنى أي شهيد أكبر شهادة فوضع شيء موضع شهيد ، وقيل إن شيء هنا موضوع موضع اسم اللّه تعالى والمعنى اللّه أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم فهو شهيد بيني وبينكم . وقيل هو الجواب لأنه إذا كان الشهيد بينه وبينهم كان أكبر شهادة له صلى اللّه عليه وسلم وقيل : إنه قد تم الجواب عند قوله قل اللّه يعني اللّه أكبر شهادة ثم ابتدأ فقال شهيد أي هو شهيد بيني وبينكم . والمراد بشهادة اللّه إظهار المعجزة على يد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فإن حقيقة الشهادة ما بين به المدعى وهو كما يكون بالقول يكون بالفعل ، ولا شك أن
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة باب 59 ، وأحمد في المسند 1 / 293 ، 303 ، 307 .