صديق الحسيني القنوجي البخاري

351

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أي لو جعلنا الرسول إليهم أو إلى النبي ملكا يشاهدونه ويخاطبونه لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل ، لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي خلقه اللّه عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجسام بني آدم ، لأن كل جنس يأنس بجنسه ، فلو جعل اللّه سبحانه الرسول إلى البشر أو الرسول إلى رسوله ملكا مشاهدا مخاطبا لنفروا منه ولم يأنسوا به ولدخلهم الرعب وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته ، هذا أقل حال فلا يتم المصلحة من الإرسال . ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الأنس كما جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في صورة دحية الكلبي ، وكما جاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين ، وكذلك إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام . وعند أن يجعله اللّه رجلا أي على صورة رجل من بني آدم ليسكنوا إليه ويأنسوا به سيقول الكافرون إنه ليس بملك وإنما هو بشر ، ويعودون إلى مثل ما كانوا عليه . وفي إيثار رَجُلًا على « بشرا » إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة وتعيين لما يقع به التمثيل . وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم أو على غيرهم قاله أبو البقاء لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك ، فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه ، قال الزجاج : المعنى للبسنا على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفائهم ، وكانوا يقولون لهم إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم . فأعلم اللّه عز وجل أنه لو نزل ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون ، واللبس الخلط يقال لبست عليه الأمر ألبسه لبسا أي خلطته وأصله التستر بالثوب ونحوه وفيه تأكيد لاستحالة جعل النذير ملكا كأنه قيل لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر عليهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 10 إلى 12 ] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) ثم قال سبحانه مؤنسا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ومسليا له وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزؤوا بك يا محمد ، وفيه تسلية له صلى اللّه عليه وسلم ووعيد أيضا لأهل مكة كما أشار له بقوله : فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ يقال حاق الشيء يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا نزل أي