صديق الحسيني القنوجي البخاري

348

فتح البيان في مقاصد القرآن

الفاء لتعقيب الإعراض بالتكذيب فهي عاطفة على الجملة قبلها ، وجعلها الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كانوا معرضين عن الآيات فلا تعجب فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها ، وهو الحق لما جاءهم ، وفيه تكلف وهذه المرتبة أزيد من الأولى لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبا به بل قد يكون غافلا عنه غير متعرض له ، فإذا صار مكذبا فقد زاد على الإعراض قاله الكرخي . بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ قيل المراد بالحق هنا القرآن وقيل محمد صلى اللّه عليه وسلم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي سيعرفون أن هذا الشيء الذي استهزءوا به ليس بموضع للاستهزاء وذلك عند إرسال عذاب اللّه عليهم ، كما يقال اصبر فسوف يأتيك الخبر ، عند إرادة الوعيد والتهديد ، وفي لفظ الإنباء ما يرشد إلى ذلك ، فإنه لا يطلق إلا على خبر عظيم الوقع ، وحملها على العقوبات الآجلة أو على ظهور الإسلام وعلو كلمته يأباه الآيات الآتية ، قال ابن عطية : أي أنباء كونهم مستهزئين . أَ لَمْ يَرَوْا أي أهل مكة والرؤية بصرية والهمزة للإنكار ، وهذا شروع في توبيخهم ببذل النصح لهم كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ كم استفهامية أو خبرية ، ومن لابتداء الغاية و مِنْ قَرْنٍ تمييز ، ومن للبيان ، والقرن يطلق على أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم . أي لم يعرفوا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار في أسفارهم للتجارة إلى الشام في الصيف وإلى اليمن في الشتاء ، كم أهلكنا من قبل خلقهم أو من قبل زمانهم أمة من الأمم الموجودة في عصر بعد عصر لتكذيبهم أنبياءهم مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الماضية والقرون الخالية . وقيل هو عبارة عن مدة من الزمان فيكون ما في الآية على تقدير مضاف أي من أهل القرن الذين وجدوا فيه ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم » « 1 » . مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ مكن له في الأرض جعل له مكانا فيها ومكنه في الأرض أي أثبته فيها قاله الزمخشري ، وقال أبو عبيدة مكناهم ومكنا لهم لغتان فصيحتان نحو نصحته ونصحت له ، وبهذا قال أبو علي والجرجاني ، والجملة مستأنفة كأنه وقيل : كيف ذلك ؟ وقيل الجملة صفة لقرن ، والأول أولى أي مكانهم تمكينا لم نمكنه لكم . والمعنى أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم ما لم نعطكم من الدنيا وطول

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الشهادات باب 9 ، وفضائل أصحاب النبي ( ص ) باب 1 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 210 ، 211 ، 212 ، 214 ، 215 .