صديق الحسيني القنوجي البخاري

341

فتح البيان في مقاصد القرآن

وهذا الكلام من باب المشاكلة والمقابلة والازدواج كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان ، وعليه حام الزمخشري ، والنفس عبارة عن ذات الشيء يقال نفس الشيء وذاته بمعنى واحد ، وقال الزجاج : النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته يقول تعلم جميع حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك ، والأول أولى ، وفيه دلالة على إطلاق لفظ النفس عليه سبحانه إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ تعلم ما كان وما سيكون وهذا تأكيد لما قبله . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 117 ] ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 117 ) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني والاستثناء مفرغ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ هذا تفسير لمعنى ما قلت لهم أي ما أمرتهم إلا أن وحدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي حفيظا ورقيبا أرعى أحوالهم وأمنعهم عن مخالفة أمرك ما دُمْتُ أي مدة دوامي فِيهِمْ . فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قيل هذا يدل على أن اللّه سبحانه توفاه قبل أن يرفعه ، وليس بشيء لأن الأخبار قد تضافرت بأنه لم يمت ، وأنه باق في السماء على الحياة التي كان عليها في الدنيا حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان ، وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء وأخذتني وافيا بالرفع . قيل الوفاة في كتاب اللّه سبحانه قد جاءت على ثلاثة أوجه بمعنى الموت ومنه قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] وبمعنى النوم ومنه قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ الأنعام : 60 ] أي ينيمكم ، وبمعنى الرفع ومنه فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [ المائدة : 117 ] وإذ قال اللّه يا عيسى إني متوفيك والتوفي يستعمل في أخذ الشيء وافيا أي كاملا . كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ أصل المراقبة المراعاة أي كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي شاهد لما كان وما يكون أو أنت العالم بكل شيء فلا يعزب عن عملك شيء ومنه قولي لهم وقولهم بعدي . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 118 إلى 120 ] إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 119 ) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 120 ) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ أي من أقام على الكفر منهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ أي تصنع بهم ما