صديق الحسيني القنوجي البخاري
338
فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو عبيدة هي من مادة إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم إليها ، وبه قال قطرب وغيره وقيل فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قاله أبو عبيدة وقيل غير ذلك ، وأطال الكلام في تحقيقه سليمان الجمل فراجعه إن شئت . قالَ عيسى مجيبا للحواريين اتَّقُوا اللَّهَ من هذا السؤال وأمثاله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي صادقين في إيمانكم فإن شأن المؤمن ترك الاقتراح على ربه على هذه الصفة وقيل : إنه أمرهم بالتقوى ليكون ذلك ذريعة إلى حصول ما طلبه . قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها بينوا به الغرض من سؤالهم نزول المائدة أي نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا وقيل نأكل منها للتبرك بها لا أكل حاجة وليس سببه إزالة شبهة في قدرته تعالى على تنزيلها حتى يقدح ذلك في الإيمان . وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا بكمال قدرة اللّه أو بأنك مرسل إلينا من عنده أو بأن اللّه قد أجابنا إلى ما سألناه وإن كنا مؤمنين به من قبل ، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي مما يوجب ازدياد الطمأنينة وقوة اليقين . وَنَعْلَمَ علما يقينيا أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا في نبوتك وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ عند من لم يحضرها من بني إسرائيل أو من سائر الناس أو من الشاهدين للّه بالوحدانية أو من الحاضرين دون السامعين . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 114 ] قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) ولما رأى عيسى ما حكموه عن أنفسهم من الغرض بنزول المائدة قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قيل : إنه اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وبكى ثم دعا فقال اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً كائنة أو نازلة مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً أي عائدة من اللّه علينا أو يكون يوم نزولها لنا عيدا ، وقد كان نزولها يوم الأحد وهو يوم عيد لهم ، والعيد يوم السرور ، وهو واحد الأعياد . وقيل أصله من عاد يعود أي رجع فهو عود فقيل ليوم الفطر والأضحى عيدان لأنهما يعودان في كل سنة قاله ثعلب ، وقال الخليل : العيد كل يوم جمع كأنهم عادوا إليه ، قال ابن الأنباري : النحويون يقولون لأنه يعود بالفرح والسرور ، وعيد العرب لأنه يعود بالفرح والحزن وكل ما عاد إليك في وقت فهو عيد ، وقال الراغب : العيد حالة تعاود الإنسان والعائدة كل نفع يرجع إلى الإنسان بشيء . ومعنى لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا لمن في عصرنا ولم يأتي بعدنا من ذرارينا وغيرهم ، قال ابن عباس : معناه يأكل منها أول الناس كما يأكل آخرهم وَآيَةً مِنْكَ أي دلالة