صديق الحسيني القنوجي البخاري
336
فتح البيان في مقاصد القرآن
لعيسى أكرمه اللّه تعالى بها ، وتقدم في آل عمران أنه كان صور لهم صورة الخفاش وكان ذلك بطلبهم فراجعه إن شئت . وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي تشفي الأعمى المطموس البصر وَالْأَبْرَصَ هو معروف ظاهر بِإِذْنِي لك وتسهيله عليك وتيسيره لك ، وقد تقدم تفسير هذا مطولا في آل عمران فلا نعيده وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء فيكون ذلك آية لك عظيمة ، قيل أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية ، وتكرير بِإِذْنِي هنا في المواضع الأربعة بعد أربع جمل للاعتناء بأن ذلك كله من جهة اللّه ليس لعيسى عليه السلام فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر اللّه سبحانه ، وقال في آل عمران بِإِذْنِ اللَّهِ * مرتين لأن هناك أخبار فناسب الإيجاز ، وهنا مقام تذكير بالنعمة والامتنان فناسب الإسهاب . وَإِذْ كَفَفْتُ معناه دفعت وصرفت ومنعت بَنِي إِسْرائِيلَ أي اليهود عَنْكَ حين هموا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الواضحات والدلالات الباهرات التي وضع على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام والخبر بكثير من الغيوب ، ولما أتى عيسى بهذه الدلالات البينات قصد اليهود بقتله فخلصه اللّه منهم ورفعه إلى السماء . فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي من اليهود إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين ، ولما عظم ذلك في صدورهم وابتهروا منه لم يقدروا على جحده بالكلية بل نسبوه إلى السحر . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 111 إلى 113 ] وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ( 111 ) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 112 ) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 113 ) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي الوحي في كلام العرب معناه الإلهام أي ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم وقيل معناه أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي بالتوحيد والإخلاص ويؤمنوا برسالة رسولي ، والحواريون هم خلص أصحاب عيسى وخواصه . قالُوا آمَنَّا جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قالوا فقال : قالوا آمنا وَاشْهَدْ يا رب أو يا عيسى بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ أي مخلصون للإيمان ، وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام لأن الإيمان من أعمال القلوب ، والإسلام هو الانقياد والخضوع في الظاهر ، والمعنى أنهم آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم .