صديق الحسيني القنوجي البخاري
332
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال أبو علي الفارسي : الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأثم بأخذه فسمي إثما كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة ، وقال سيبويه : المظلمة اسم ما أخذ منك فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر . فَآخَرانِ أي فشاهدان آخران أو فحالفان آخران من أولياء الميت يَقُومانِ مَقامَهُما أي مقام الذين عثر على أنهما استحقا إثما فيشهدان أو يحلفان على ما هو الحق وليس المراد أنهما يقومان مقامهما في أداء الشهادة التي شهدها المستحقان للإثم مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ قرىء على البناء للمفعول وعلى الفاعل عَلَيْهِمُ الوصية وهم الورثة ويبدل من آخران الْأَوْلَيانِ هو على الأولى مرتفع كأنه قيل من هما فقيل هما الأوليان . أهل الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم فالأوليان تثنية أولى . والمعنى على الثانية من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين لكونهما الأقربين إلى الميت ، فالأوليان فاعل استحق ومفعوله أن يجردوهما للقيام بالشهادة ، وقيل المفعول محذوف والتقدير من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها . فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ أي فيحلفان على خيانة الشاهدين لَشَهادَتُنا أي يميننا فالمراد بالشهادة هنا اليمين كما في قوله تعالى : فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ [ النور : 6 ] باللّه أي ليحلفان لشهادتنا على أنهما كاذبان خائنان أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أي أحق بالقبول من يمينهما على أنهما صادقان أمينان وَمَا اعْتَدَيْنا أي ما تجاوزنا الحق في يميننا وقولنا إن شهادتنا أحق من شهادة هذين الوصيين الخائنين إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ إن كنا حلفنا على باطل . ذلِكَ أي البيان الذي قدمه اللّه سبحانه في هذه القصة وعرفنا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر ولم يكن عنده أحد من أهله وعشيرته وعنده كفار أَدْنى أي أقرب إلى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ أي يؤدي الشهود المتحملون للشهادة على الوصية بالشهادة عَلى وَجْهِها فلا يحرفوا ولا يبدلوا ولا يخونوا فيها ، وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر المنفعة والفائدة في هذا الحكم الذي شرعه اللّه في هذا الموضع في كتابه ، فالضمير في يأتوا عائد إلى شهود الوصية من الكفار ، وقيل إنه راجع إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم ، والمراد تحذيرهم من الخيانة وأمرهم بأن يشهدوا بالحق . أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ أي ترد على الورثة المدعين فيحلفون على خلاف ما شهد به شهود الوصية فتفتضح حينئذ شهود الوصية وهو معطوف على قوله أن يأتوا فيكون الفائدة في شرح اللّه سبحانه لهذا الحكم هي أحد الأمرين إما احتراز شهود الوصية عن الكذب والخيانة فيأتون بالشهادة على وجهها أو يخافون