صديق الحسيني القنوجي البخاري
324
فتح البيان في مقاصد القرآن
فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي « 1 » . وعن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يعني عمرو بن حلي يجر قصبه أي أمعاءه وهو أول من سيب السوائب » « 2 » أخرجه الشيخان . وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وصفهم اللّه سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على اللّه وكذبا لا لشرع شرعه اللّه لهم ، ولا لعقل دلهم اللّه عليه ، وسبحان اللّه العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض الرقاعة ونفس الحمق ، وهذا شأن علمائهم ورؤسائهم وكبرائهم . وَأَكْثَرُهُمْ أي أراذلهم وعوامهم الذين يتبعونهم من معاصري رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كما يشهد به سياق النظم لا يَعْقِلُونَ إن هذا كذب باطل وافتراء من الرؤساء على اللّه سبحانه حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم فاستمروا في أشد التقليد ، وهذا بيان لقصور عقولهم وعجزهم عن الاهتداء بأنفسهم . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 104 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لعوامهم المعبر عنهم بالأكثر تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ أي إلى كتاب اللّه وسنة رسوله وحكمهما قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وهذه أفعال آبائهم وسننهم التي سنوها لهم ، وصدق اللّه سبحانه حيث يقول أَ وَ الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام للإنكار والتعجيب ، وقيل للعطف على جملة مقدرة وهو الأظهر أي أحسبهم ذلك و لَوْ كانَ آباؤُهُمْ جهلة ضالين لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في البقرة ، وقال هنا : ما وَجَدْنا وهناك ما ألفينا ، ولا يعلمون هنا ولا يعقلون هناك للتفنن وأساليب من التعبير ، وهذا مما استحسنه أبو حيان والسمين . والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بعالم المهتدى الذي يبنى قوله على الحجة والبرهان والدليل وأن آباءهم ما كانوا كذلك فكيف يصح الاقتداء بهم . وقد صارت هذه المقالة التي قالتها الجاهلية نصب أعين المقلدة وعصاهم التي
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 9 ، وتفسير سورة 5 ، باب 13 . ( 2 ) أخرجه البخاري في العمل في الصلاة باب 11 ، والمناقب باب 9 ، ومسلم في الكسوف حديث 3 ، والنسائي في الكسوف باب 11 .