صديق الحسيني القنوجي البخاري
315
فتح البيان في مقاصد القرآن
المحسوس ، فإن الظبي يشبه التيس في غالب ذاته وصفاته ، ولا مشابهة بينه وبين الشاة في غالب ذاته وصفاته ، وكذلك الحمامة فإنها لا تشبه الشاة في شيء من الأوصاف ، وإذا صح من بعض السلف أنه حكم في شيء منها بشاة فذلك غير لازم لنا لما عرفت من أن حكم العدلين لا بد أن يكون بالمثل كما صرح به القرآن الكريم ، وما أقرب ما حكم به ابن عباس وابن عمر في القطاة ، فكان الأولى أن يكون الحكم في الحكم في الحمامة وما يشابهها من الطيور كهذا الحكم في القطاة ويزاد قليلا من الطعام لما هو أكبر ، وينقص قليلا لما هو أصغر ، وكما قاله عمر تمرة خير من جرادة ، وأقول أنا وصاع خير من حمامة . هَدْياً منصوب على الحال أو البدل من مثل بالِغَ الْكَعْبَةِ صفة لهدي لأن الإضافة غير حقيقة ، والمعنى أنهما إذا حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما فعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر هنالك والإشعار والتقليد ، ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدي لا يبلغها وإنما أراد جميع الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ، ولا يجوز أن يذبح حيث كان ولا خلاف في هذا . أَوْ كَفَّارَةٌ معطوف على محل من النعم وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف طَعامُ مَساكِينَ من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مد أَوْ عَدْلُ ذلِكَ معطوف على طعام صِياماً تمييز العدل ، والمعنى أو قدر ذلك صياما ، والجاني مخير بين هذه الأنواع المذكورة وإليه ذهب جمهور العلماء منهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة ، وقال أحمد وزفر : إن كلمة أو للترتيب وهما روايتان عن ابن عباس . وروي عنه أنه لا يجزئ المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد الهدي ، والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهما المثل قاله الكسائي ، وقال الفراء : عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه ، وبفتح العين مثله من غير جنسه وبمثل قول الكسائي قال البصريون . وأوجبنا ذلك عليه لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ فهذا علة الإيجاب الجزاء ، والذوق مستعار لإدراك المشقة ، ومثله ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان : 49 ] والوبال سوء العاقبة والمرعى الوبيل الذي يتأذى به بعد أكله ، وطعام وبيل إذا كان ثقيلا ، وإنما سمى اللّه ذلك وبالا لأن إخراج الجزاء ثقيل على النفس لما فيه من تنقيص المال ، وثقل الصوم من حيث إن فيه إنهاك البدن . عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ يعني في جاهليتكم من قتلكم للصيد فلم يؤاخذكم به ، وقيل عما سلف قبل التحريم ونزول الكفارة وَمَنْ عادَ إلى ما نهيتم عنه من قتل الصيد مرة ثانية بعد هذا البيان فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ في الآخرة فيعذبه بذنبه وقيل ينتقم منه بالكفارة ، قال شريح وسعيد بن جبير : يحكم عليه في أول مرة ، فإذا عاد لم يحكم عليه بل يقال له اذهب ينتقم اللّه منك أي ذنبك أعظم من أن يكفر ، والانتقام المبالغة في العقوبة . ولكن هذا الوعيد لا يمنع إيجاب الجزاء في المرة الثانية والثالثة ، فإذا تكرر من