صديق الحسيني القنوجي البخاري

312

فتح البيان في مقاصد القرآن

والمنتهى ، وقيل باعتبار ما يتقيه الإنسان فإنه ينبغي له أن يترك المحرمات توقيا من العقاب ، والشبهات توقيا من الوقوع في الحرام ، وبعض المباحات حفظا للنفس عن الخسة وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة . وقيل التكرير لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 3 ، 4 ] ونظائره . وهذه الوجوه كلها مع قطع النظر عن سبب نزول الآية . أما مع النظر إلى سبب نزولها وهو أنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر فنزلت ، فقد قيل إن المعنى : اتقوا الشرك وآمنوا باللّه ورسوله ثم اتقوا الكبائر وآمنوا أي ازدادوا إيمانا ثُمَّ اتَّقَوْا الصغائر ، قال أبو السعود : ولا ريب في أنه لا تعلق لهذه العبارات بالمقام فأحسن التأمل انتهى . وَأَحْسَنُوا أي تنقلوا قال ابن جرير الطبري : الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر اللّه بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل ، والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق ، والاتقاء الثالث بالإحسان والتقرب بالنوافل . قلت : والحق أنه ليس تخصيص هذه المرات بالذكر لتخصيص الحكم بها بل لبيان التعدد والتكرير بالغا ما بلغ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي المتقربين إليه بالإيمان والأعمال الصالحة والتقوى والإحسان ، وهذا ثناء ومدح لهم على الإيمان والتقوى والإحسان ، لأن هذه المقامات من أشرف الدرجات وأعلاها . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 94 إلى 95 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( 95 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللام لام القسم أي واللّه ليختبرنكم اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ لما كان الصيد أحد معايش العرب ابتلاهم اللّه بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم كما ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت . وقد اختلف العلماء في المخاطبين بهذه الآية هل هم المحلون أو المحرمون ، فذهب إلى الأول مالك ، وإلى الثاني ابن عباس « والراجح أن الخطاب للجميع ولا وجه لقصره على البعض دون البعض » و ( من ) في ( من الصيد ) للتبعيض وهو صيد البر قاله ابن جرير الطبري وغيره ، وقيل : إن من بيانية أي شيء حقير من الصيد وتنكير شيء للتحقير ، والصيد بمعنى المصيد لا بمعنى المصدر لأنه حدث .