صديق الحسيني القنوجي البخاري
290
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ أي بين طوائف اليهود الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فإن بعضهم جبرية وبعضهم قدرية وبعضهم مرجئة وبعضهم مشبهة أو بين اليهود والنصارى فهم فرق كالملكانية والنسطورية واليعقوبية والماروانية . لا يقال إن هذا المعنى حاصل بين المسلمين أيضا فكيف يكون عيبا عليهم لا على المسلمين لأنا نقول : إن هذه البدع والافتراق لم يكن شيء منها حاصلا بينهم في الصدر الأول ، وإنما حدثت بعد عصر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فحسن جعل ذلك عيبا عليهم في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن على رسوله اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال أبو حيان : العداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس بعدو ، قاله الكرخي . كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ أي : كلما جمعوا للحرب جمعا وأعدوا له عدة شتت اللّه جمعهم ، وذهب بريحهم ، فلم يظفروا بطائل ولا عادوا بفائدة ، بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم ، وذلك بأن بعث اللّه عليهم بختنصر البابلي ، ثم أفسدوا فبعث عليهم طيطوس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس ، وهم أهل الفرس ، ثم أفسدوا وقالوا يد اللّه مغلولة فبعث اللّه المسلمين ، فلا تزال اليهود في ذلة أبدا ، وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب ويجمعون عليها ثم يبطل اللّه ذلك . قال مجاهد : كلما مكروا مكرا في حرب محمد صلى اللّه عليه وسلم أطفأه اللّه تعالى ، وعن السّدي قال : كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرقه اللّه وقذف في قلوبهم الرعب ، والآية مشتملة على استعارة بليغة وأسلوب بديع ، وقيل : المراد بالنار هنا الغضب أي : كلما أثاروا في أنفسهم غضبا أطفأه اللّه بما جعله من العرب في صدورهم والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم قال قتادة : لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس فيها وهم أبغض خلق اللّه إليه . وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أي يجتهدون في فعل ما فيه فساد ومن أعظمه ما يريدون من إبطال الإسلام وكيد أهله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ إن كانت اللام للجنس فهم داخلون في ذلك دخولا أوليا ، وإن كانت للعهد فوضع الظاهر موضع المضمر لبيان شدة فسادهم وكونهم لا ينفكون عنه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 65 إلى 66 ] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ أي لو أن المتمسكين بالكتاب وهم اليهود والنصارى على أن التعريف للجنس بيان لحالهم في الآخرة آمَنُوا الإيمان الذي طلبه اللّه