صديق الحسيني القنوجي البخاري
275
فتح البيان في مقاصد القرآن
عند العامة لأن أفهامهم قاصرة عن إدراك الحقائق والحق عندهم يعرف بالرجال ، وللأموات في صدورهم جلالة وفخامة ، وطباع المقلدين قريبة من طبائعهم ، فهم إلى قبول أقوالهم أقرب منهم إلى قبول أقوال العلماء المجتهدين ، لأن المجتهدين قد باينوا العامة وارتفعوا إلى رتبة تضيق أذهان العامة عن تصورها . فإذا قال المقلد مثلا : أنا احكم بمذهب الشافعي وهو أعلم من هذا المجتهد المعاصر لي وأعرف بالحق منه ، كان العامة إلى تصديق هذه المقالة والإذعان لها أسرع من السيل المنحدر وتنفعل أذهانهم لذلك أكمل انفعال . فإذا قال المجتهد مجيبا على ذلك المقلد : إن محل النزاع هو الموازنة بيني وبينك لا بيني وبين الشافعي ، فإني أعرف العدل والحق وما أنزل اللّه وأجتهد رأي إذا لم أجد في كتاب اللّه وسنة رسوله نصا ، وأنت لا تعرف شيئا من ذلك ولا تقدر على أن تجتهد رأيك إذ لا رأي لك ولا اجتهاد لأن اجتهاد الرأي هو إرجاع الحكم إلى الكتاب والسنة بالمقايسة أو بعلاقة يسوغها الاجتهاد ، وأنت لا تعرف كتابا ولا سنة فضلا أن تعرف كيفية الارجاع إليهما بوجوه مقبولة ، كان هذا الجواب الذي أجابه المجتهد مع كونه حقا بحتا ، بعيدا عن أن يفهمه العامة أو تذعن لصاحبه . ولهذا ترى في هذه الأزمان الغريبة الشأن ما ينقله المقلد عن إمامه أوقع في النفوس مما ينقله المجتهد من كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم وإن جاء من ذلك بالكثير الطيب . وقد رأينا وسمعنا ما لا يشك فيه أن من علامات القيامة على أن كثيرا من المقلدين قد ينقل في حكمه أو فتواه عن مقلد مثله قد صار تحت أطباق الثرى وإمامه منه براء فيجول ويصول وينسب ذلك إلى مذهب الإمام ، وينسب من يأتي بما يخالفه من كتاب أو سنة إلى الابتداع ومخالفة المذهب ومباينة أهل العلم ، وهو لو ارتفعت رتبته عن هذا الحضيض قليلا لعلم أنه المخالف لإمامه لا الموافق له . ومن كان بهذه المنزلة فهو صاحب الجهل المركب الذي لا يستحق أنه يخاطب ، بل على كل صاحب علم أن يرفع نفسه عن مجادلته ويصون شأنه عن مقاولته إلا أن يطلب منه أن يعلمه مما علمه اللّه ، وباللّه التوفيق . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 48 ] وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 48 ) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ خطاب لمحمد