صديق الحسيني القنوجي البخاري
252
فتح البيان في مقاصد القرآن
التعدي على دماء العباد وأقوالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير هذا الحكم في كتاب اللّه أو سنة رسوله كالسرقة وما يجب فيه القصاص ، لأنا نعلم أنه قد كان في زمنه صلى اللّه عليه وسلم من تقع منه ذنوب ومعاص غير ذلك ولا يجري عليه صلى اللّه عليه وسلم هذا الحكم المذكور في هذه الآية . وبهذا يعرف ضعف ما روي عن مجاهد في تفسير المحاربة المذكورة في هذه الآية أنها الزنا والسرقة ، ووجه ذلك أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم لهما حكم غير هذا الحكم . وإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية على مقتضى لغة العرب التي أمرنا أن نفسر كتاب اللّه وسنة رسوله بها ، فإياك أن تغتر بشيء من التفاصيل المروية ، والمذاهب المحكية إلا أن يأتيك الدليل الموجب لتخصيص هذا العموم ، أو تقييد هذا المعنى المفهوم ، من لغة العرب فأنت وذاك ، إعمل به وضعه في موضعه ، وأما ما عداه : فدع عنك نهبا صيح في حجراته * وهات حديثا ما حديث الرواحل « 1 » على أنا سنذكر من هذه المذاهب ما تسمعه . اعلم أنه قد اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة ، فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور : إن من شهر السلاح في قبة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله . وبهذا قال مالك وصرح بأن المحارب عنده من حمل على الناس في مصر أو في برية أو كابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة . قال ابن المنذر : اختلف على مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في مصر مرة ونفى ذلك أخرى ، وروى عن ابن عباس غير ما تقدم فقال في قطّاع الطريق : إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض . وروي عن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لامرىء القيس في ديوانه ص 94 ، وخزانة الأدب 10 / 159 ، 11 / 177 ، والدرر 4 / 140 ، وشرح شواهد المغني 1 / 440 ، ولسان العرب ( صيح ) ، ( حجر ) ( رسس ) ، ( سقط ) ، ومغني اللبيب 1 / 150 ، والمقاصد النحوية 3 / 307 ، وهمع الهوامع 2 / 29 ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 244 ، والمقرب 1 / 195 ، ويروى « دع عنك نهبا » بدل من « فدع عنك نهبا » .