صديق الحسيني القنوجي البخاري

25

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ولا ولد ابن لما تقدم من الإجماع وَوَرِثَهُ أَبَواهُ منفردين عن سائر الورثة أو مع زوج فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ أي ثلث المال كما ذهب إليه الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين ، أما لو كان معهما أحد الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجودين من الزوجين . وروي عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين وهو يستلزم تفضيل الأم على الأب في مسئلة زوج وأبوين مع الاتفاق على أنه أفضل منها عند انفرادهما عن أحد الزوجين . فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ يعني ذكورا أو إناثا فصاعدا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ يعني لأم الميت سدس التركة إذا كان معها أب ، وإطلاق الإخوة يدل على أنه لا فرق بين الإخوة لأبوين أو لأحدهما ، وقد أجمع أهل العلم على أن الاثنين من الإخوة يقومان مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الأم إلى السدس إلا ما يروى عن ابن عباس أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب ، وأجمعوا أيضا أن الأختين فصاعدا كالأخوين في حجب الأم . مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ يعني أن هذه الأنصبة والسهام إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه ، قرىء يوصي بفتح الصاد وبكسرها واختار الكسر أبو عبيد وأبو حاتم ، لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا . واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدما عليها بالإجماع فقيل المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما ، وقيل لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمت اهتماما بها ، وقيل قدمت لكثرة وقوعها فصارت كالأمر اللازم لكل ميت وقيل قدمت لكونها حظ المساكين والفقراء ، وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان . وقيل لما كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت بخلاف الدين فإنه ثابت مؤدى ذكر أو لم يذكر ، وقيل قدمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض ، فربما يشق على الورثة إخراجها بخلاف الدين ، فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه ؛ وهذه الوصية مقيدة بقوله : غَيْرَ مُضَارٍّ [ النساء : 12 ] كما سيأتي . وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وغيرهم عن علي قال : إنكم تقرؤون هذه الآية من بعد وصية يوصي بها أو دين وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قضى بالدين قبل الوصية ؛ وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلّات « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الفرائض باب 5 ، وابن ماجة في الفرائض باب 10 ، والوصايا باب 7 ، وأحمد في المسند 1 / 79 ، 131 ، 144 .