صديق الحسيني القنوجي البخاري
245
فتح البيان في مقاصد القرآن
قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ استئناف كالأول كأنه قيل فماذا قال الذي تقبل قربانه فقال : قال الخ ، وإنما للحصر أي إنما يتقبل القربان من المتقين لا من غيرهم ، وكأنه يقول لأخيه إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي ، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك وأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ، وعن ابن عباس قال : كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه ، وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا ثم ذكر ما قررناه . لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي أي لئن قصدت قتلي واللام هي الموطّئة للقسم ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ هذا استسلام للقتل من هابيل كما ورد في الحديث « إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم » وتلا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هذه الآية قال مجاهد : كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفا ، وأن لا يمنع ممن يريد قتله ، وعن ابن جريج نحوه . قال القرطبي : قال علماؤنا وذلك مما يجوز ورود التعبد به إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا ، وفي وجوب ذلك عليه خلاف والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر ، وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع ، واحتجوا بحديث أبي ذر ، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب التذكرة اه كلامه . وحديث أبي ذر المشار إليه هو عند مسلم وأهل السنن إلا النسائي وفيه أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له : « يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا كيف تصنع ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم قال : اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك قال : فإن لم أترك ؟ قال : فأت من أنت منهم فكن فيهم ، قال : فآخذ سلاحي ؟ قال إذن تشاركهم فيما فيه ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك » « 1 » ، وفي معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة ، وقيل معناه ما كنت بمبتديك بالقتل . إِنِّي أَخافُ اللَّهَ في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك أن يعاقبني على ذلك رَبَّ الْعالَمِينَ قيل : كان المقتول أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرج عن قتل أخيه فاستسلم له خوفا من اللّه ، لأن الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 29 إلى 31 ] إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 )
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفتن حديث 13 ، وأبو داود في الفتن باب 2 ، وابن ماجة في الفتن باب 10 ، وأحمد في المسند 5 / 48 ، 149 .