صديق الحسيني القنوجي البخاري
238
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم في وقت جعله أو اذكروا نعمته كائنة عليكم في وقت جعله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء ذوي عدد كثير ، وأولي شأن خطير ، حيث لم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني إسرائيل من الأنبياء . وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي فيكم ومنكم ، وإنما حذف الظرف لظهور أن معنى الكلام على تقديره ، ويمكن أن يقال : إن منصب النبوة لما كان لعظم قدره وجلالة رتبته بحيث لا ينسب إلى غيره من هو له قال فيه : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ولما كان منصب الملك مما يجوز نسبته إلى غير من قام به كما يقول قرابة الملك نحن الملوك قال فيه : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وقيل المراد بالملك أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون ، فهم جميعا ملوك بهذا المعنى . وقيل معناه أنه جعلهم ذوي منازل لا يدخل عليهم غيرهم إلا بإذن وقيل غير ذلك ، قال قتادة : ملكهم الخدم ، وكانوا أول من ملك الخدم ، ولم يكن لمن قبلهم خدم ، وقال ابن عباس : كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكا ، وعنه قال : الزوجة والخادم والبيت ، وعنه قال : المرأة والخادم . وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية ومن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا » ، وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار عن زيد بن أسلم قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كان بيت له وخادم فهو ملك » . وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في الآية قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم زوجة ومسكن وخادم ، وعن ابن عمرو بن العاص أنه سأله رجل : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ قال : « ألك امرأة تأوي إليها » ؟ قال : نعم ، قال : « ألك مسكن » ؟ قال : نعم ، قال : « فأنت من الأغنياء » ، قال : إن لي خادما قال : « فأنت من الملوك » « 1 » ، وقال مجاهد جعل لهم أزواجا وخدما وبيوتا . وقد ثبت في الحديث الصحيح « من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها » « 2 » والظاهر أن المراد بالآية الملك الحقيقي ، ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 37 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 34 ، وابن ماجة في الزهد باب 9 .