صديق الحسيني القنوجي البخاري
236
فتح البيان في مقاصد القرآن
ابنها في النار ، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : لا ، واللّه لا يلقي حبيبه في النار « 1 » ، وإسناده في المسند هكذا : حدثنا ابن عدي عن حميد عن أنس فذكره . ومعنى الآية يشير إلى معنى هذا الحديث ، ولهذا قال بعض مشايخ الصوفية لبعض الفقهاء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه ، فلم يرد عليه فتلا الصوفي هذه الآية . وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : لا واللّه لا يعذب اللّه حبيبه ولكن اللّه قد يبتليه في الدنيا . بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ عطف على مقدر يدل عليه الكلام أي فلستم حينئذ كذلك بل أنتم بشر من جنس من خلقه اللّه تعالى يحاسبهم على الخير والشر ، ويجازي كل عامل بعمله . يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ قال السدي : أي يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه لا اعتراض عليه لأنه القادر الفعال بالاختيار . وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من الموجودات لا شريك له في ذلك فيعارضه ، وفيه دليل على أنه تعالى لا ولد له ، لأن من يملك السماوات والأرض يستحيل أن يكون له شبيه من خلقه أو شريك في ملكه وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي تصيرون إليه وحده عند انتقالكم من دار الدنيا إلى دار الآخرة . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى ، والرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والمبيّن هو ما شرعه اللّه لعباده ، وحذف للعلم به لأن بعثة الرسل إنما هي بذلك ، والفترة أصلها السكون ، يقال فتر الشيء سكن ، وقيل هي الانقطاع قاله أبو عليّ الفارسي وغيره ، ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة ، وفتر الرجل عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد فيه ، وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر ، والمعنى أنه انقطع الرسل قبل بعثته صلى اللّه عليه وسلم مدة من الزمان . واختلف في قدر مدة تلك الفترة ، قال سلمان : فترة ما بين عيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ستمائة سنة ، أخرجه البخاري ، قال قتادة : كانت الفترة بين عيسى ومحمد ستمائة سنة
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب 35 ، وأحمد في المسند 3 / 104 .