صديق الحسيني القنوجي البخاري

231

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطه بأن يؤمنوا ويتقوا اللّه ، وهذا معنى بعثهم . وقيل لما توجه النقباء لتجسس أحوال الجبارين لقيهم عوج بن عنق وكان كذا وكذا ، وهذه القصة ذكرها كثير من المفسرين ، والمحققون من أهل الحديث على أنها لا أصل لها ولا عوج ولا عنق ، وقال ابن عباس : النقيب الضمين ، وقال قتادة : هو الشهيد على قومه ، وقيل هو الأمين الكفيل ، وقيل هو الباحث عن القوم وعن أحوالهم والمعاني متقاربة . وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ أي قال ذلك لبني إسرائيل وقيل للنقباء وهو الأولى والمعنى إني معكم بالنصر والعون لَئِنْ اللام هي الموطئة للقسم أي واللّه لئن أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي تأخير الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المترتّبة عليه لما أنهم كانوا معترفين بوجوبهما مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام . وَعَزَّرْتُمُوهُمْ التعزير التعظيم والتوقير ، ويطلق التعزير على الضرب دون الحد والرد ، يقال عزرت فلانا إذا أدبته ورددته عن القبيح ، والمعنى عظمتموهم على الأول ، أو : رددتم عنهم أعداءهم ومنعتموهم على الثاني ، وقال ابن عباس : أي أعنتموهم ، وقال مجاهد : نصرتموهم . وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي أنفقتم في وجوه الخير ، والحسن قيل هو ما طابت به النفس ، وقيل ما ابتغى به وجه اللّه ، وقيل الحلال وقيل المراد بالزكاة الواجبة ، وبالقرض الصدقة المندوبة وخصّها بالذكر تنبيها على شرفها لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ إشارة إلى إزالة العذاب وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إشارة إلى إيصال الثواب فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ الميثاق مِنْكُمْ أو بعد الشرط المذكور فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ فقد أخطأ وسط الطريق المستقيم . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 13 ] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 13 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ الباء للسببية وما زائدة أي بسبب نقضهم ، قال ابن عباس : هو ميثاق أخذه اللّه على أهل التوبة فنقضوه لَعَنَّاهُمْ أي طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية ، وحقيقة اللعن في اللغة الطرد والإبعاد فاستعماله بالمعنيين الآخرين كما فعل البيضاوي وأبو السعود مجاز باستعماله في لازم معناه وهو الحقارة بما ذكر ، لكنه لا قرينة في الكلام عليه .