صديق الحسيني القنوجي البخاري

23

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث كان للابنتين إذا انفردتا الثلثان ، هكذا احتجّ بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد ، قال النحاس : وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين . وأيضا للمخالف أن يقول إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف ، فهذا دليل على أن هذا فرضهما ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن اللّه سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت بقوله : وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة ، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين . وقيل : إن فوق زائدة والمعنى إن كن نساء اثنتين كقوله تعالى : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [ الأنفاق : 12 ] أي الأعناق ، ورد هذا النحاس وابن عطية فقالا : هو خطأ لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى وقال ابن عطية : ولأن قوله : فَوْقَ الْأَعْناقِ هو الفصيح ، وليس فوق زائدة بل هي محكمة المعنى ، لأن ضربة العنق إنما يجب أن يكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ كما قال دريد بن الصمة : أخفض عن الدماغ وأرفع عن العظم ، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال انتهى . وأيضا لو كان لفظ فوق زائدا كما قالوا لقال فلهما ثلثا ما ترك ولم يقل فلهن ثلثا ما ترك . وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في سننه عن جابر قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ، ولا تنكحان إلا ولهما مال ، فقال : يقضي اللّه في ذلك ، فنزلت آية الميراث يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ الآية فأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى عمهما فقال : « أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن ، وما بقي فهو لك » « 1 » ، أخرجوه من طرق عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن جابر قال الترمذي ولا يعرف إلا من حديثه . وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً قرىء بالرفع على أن كان تامة بمعنى فإن وجدت بنت واحدة أو حدثت واحدة ؛ وقرىء بالنصب ، قال النحاس : وهذه قراءة حسنة أي وإن كانت أي المتروكة أو المولودة واحدة فَلَهَا النِّصْفُ يعني فرضا لها .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الوصايا باب 3 ، والترمذي في الفرائض باب 6 ، وتفسير سورة 4 ، باب 1 ، وابن ماجة في الوصايا باب 7 ، وأحمد في المسند 1 / 131 ، 144 .