صديق الحسيني القنوجي البخاري
226
فتح البيان في مقاصد القرآن
عمرو وأبيّ بن كعب ، وابن السكن من حديث أنس ، وابن أبي حاتم من حديث عائشة ، وفي جميع الطرق المذكورة مقال ، لكنها يقوي بعضها بعضا . وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن رجلا توضأ فترك على قدمه مثل موضع الظفر فأبصره النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له : « ارجع فأحسن وضوءك » فخرج وتوضأ ثم صلى « 1 » . ومن ذلك أيضا أحاديث الأعرابي الذي أمره النبي صلى اللّه عليه وسلم بإعادة الوضوء لما رأى عقبه جافا يلوح ، ومنها الأمر بتخليل الأصابع فإنه يستلزم الأمر بالغسل لأن المسح لا تخليل فيه . وبهذا يتقرر أن الحق ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الغسل وعدم إجزاء المسح ، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال اجتمع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على غسل القدمين وأما المسح على الخفين فهو ثابت بالأحاديث المتواترة وهو بدل عن الغسل لا عن المسح . إِلَى الْكَعْبَيْنِ أي معهما كما بينت السنة ، والكلام فيه كالكلام في قوله : إِلَى الْمَرافِقِ وقد قيل في وجه جمع المرافق وتثنية الكعاب أنه لما كان في كل رجل كعبان ولم يكن في كل يد إلا مرفق واحد ثنيت الكعاب تنبيها على أن لكل رجل كعبين بخلاف المرافق فإنها جمعت لأنه لما كان في كل يد مرفق واحد لم يتوهم وجود غيره ، ذكر معنى هذا ابن عطية . وقال الكواشي : ثنّى الكعبين ، وجمع المرافق لنفي توهم أن كل واحدة من الرجلين كعبين ، وإنما في كل واحدة كعب واحد له طرفان من جانبي الرجل ، بخلاف المرفق فهي أبعد عن الوهم انتهى . وفي هذه الآية دليل قاطع على وجوب غسل الكعبين ، والمعنى أغسلوا أرجلكم مع الكعبين والكعبان هما العظمان الناتئان في كل رجل عند مفصل الساق والقدم ، وإليه ذهب جمهور العلماء من أهل اللغة والفقه ، وهذان العظمان من الساق . وبقي من فرائض الوضوء النية والتسمية ولم يذكرا في هذه الآية بل وردت بهما السنة ، وقيل إن في هذه الآية ما يدل على النية لأنه لما قال إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم كان تقدير الكلام فاغسلوا وجوهكم لها ، وذلك هو النية المعتبرة ، وقد أشرنا إليه فيما تقدم . والفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح يفيد ، وجوب الترتيب
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 31 ، وأبو داود في الطهارة باب 66 ، وأحمد في المسند 1 / 21 ، 23 ، 3 / 146 .