صديق الحسيني القنوجي البخاري
215
فتح البيان في مقاصد القرآن
قلت : وليس لحكم الحاكم بالصحة حكم عند الحفاظ ما لم يحكم ناقد منهم بصحته فلينظر في سنده وقيل إن هذه الآية خاصة بالكلاب ، وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فهو لك حلال وإلا فلا تطعمه . قال ابن المنذر : وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحل صيده قال : لا إلا أن تدرك ذكاته ، وقال الضحاك والسدي وما علمتم من الجوارح مكلبين هي الكلاب خاصة ، فإن كان الكلب الأسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي ، وقال أحمد : ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ، وبه قال ابن راهويه ، فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم . واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الكلب الأسود شيطان » « 1 » ، أخرجه مسلم وغيره ، والحق أنه يحل صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب وغيره ، وبين الأسود وغيره ، وبين الطير وغيره ، ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عدي بن أبي حاتم عن صيد البازي . تُعَلِّمُونَهُنَّ أي تعلمون الجوارح الاصطياد وتؤدبوهن ، والجملة مستأنفة أو حالية ومنعه أبو البقاء أو اعتراضية مِمَّا أي من آداب الصيد عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أي مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل الذي تهتدون به إلى تعليمها وتدريبها حتى تصير قابلة لإمساك الصيد عند إرسالكم لها . فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ الفاء للتفريع والجملة متفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علموه من الجوارح ، ومن في ( مما ) للتبعيض لأن بعض الصيد لا يؤكل كالجلد والعظم والدم والفرث وما أكله الكلب ونحوه ، وفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه في الحديث كما الثابت في الصحيح . وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل أكل الصيد الذي يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال . وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي وهو مروي عن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعبد اللّه بن عمر وروي عن علي وابن عباس والحسن البصري والزهري وربيعة بن مالك والشافعي في القديم أنه يؤكل صيده . ويرد عليهم قوله تعالى : مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 265 ، وأبو داود في الصلاة باب 109 ، والترمذي في الصلاة باب 136 ، والصيد باب 16 ، والنسائي في القبلة باب 7 ، وابن ماجة في الإقامة باب 38 ، وأحمد في المسند 5 / 149 ، 151 ، 156 ، 158 ، 160 ، 6 / 157 ، 280 .