صديق الحسيني القنوجي البخاري
207
فتح البيان في مقاصد القرآن
فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل من النهي عن أكل ما رمي بالبندقية ، كما في رواية من حديث عدي بن حاتم عند أحمد بلفظ : « ولا تأكل من البندقية إلا ما ذكيت » « 1 » ، فالمراد بالبندقية هنا هي التي تتخذ من طين فيرمى بها بعد أن تيبس . وفي صحيح البخاري قال ابن عمر في المقتولة بالبندقة : تلك الموقوذة « 2 » ، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن ، وهكذا ما صيد بحصى الخذف فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد اللّه بن المغفل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن الخذف وقال : « إنها لا تصيد صيدا ولا تنكىء عدوا لكنها تكسر السن وتفقأ العين » « 3 » ، ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة غير المحدودة إذا لم تخزق فإنه وقيذ لا يحل ، وأما إذا خزقت حل . وَالْمُتَرَدِّيَةُ هي التي تتردى من علو كالسطح والجبل ونحوهما إلى سفل فتموت من غير فرق بين أن تردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرها ، والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك ، وسواء تردت بنفسها أو ردّاها غيرها . وَالنَّطِيحَةُ هي فعيلة بمعنى مفعولة وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية ، وقال قوم : إن فعيلة بمعنى فاعلة لأن الدابتين تتناطحان فتموتان وقال نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه قياس فعيل لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب صفة لموصوف مذكور ، فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، وفي القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه . وَما أَكَلَ السَّبُعُ أي ما افترسه منه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والفهد والضبع ونحوها ، والمراد هنا ما أكل بعضه السبع لأن ما أكله السبع كله قد فني فلا حكم له ، وإنما الحكم لما بقي منه ، والسبع اسم يقع على كل حيوان له ناب ويعدو على الناس والدواب فيفترس بنابه ، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد ، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة ثم خلصوها منه أكلوها وإن ماتت ولم يذكوها . إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ استثناء متصل عند الجمهور وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقا وفيه حياة ، وقال المدنيون وهو المشهور من مذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي أنه إذا بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها لا تؤكل .
--> ( 1 ) لفظ الحديث عند أحمد 4 / 380 ، « ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكّيت » . ( 2 ) أخرجه البخاري في الذبائح باب 2 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الذبائح باب 5 ، والأدب باب 122 ، ومسلم في الصيد حديث 54 ، وأبو داود في الأدب باب 166 ، وابن ماجة في الصيد باب 11 ، والدارمي في المقدمة باب 40 ، وأحمد في المسند 4 / 86 ، 5 / 54 ، 57 .