صديق الحسيني القنوجي البخاري

202

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال قوم الآية محكمة وهي في المسلمين ، قال الواحدي : وذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة ، وأن هذه محكمة وقال آخرون : لم ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء شجر الحرم . والظاهر ما عليه جمهور العلماء من نسخ هذه الآية لإجماع العلماء على أن اللّه تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها ، وكذلك أجمعوا على منع من قصد البيت بحج أو عمرة من المشركين واللّه أعلم . يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً قال جمهور المفسرين : معناه يبغون الفضل والرزق والأرباح في التجارة ، ويبتغون مع ذلك رضوان اللّه تعالى ، وقيل كان منهم من يطلب التجارة ومنهم من يبتغي بالحج رضوان اللّه ، ويكون هذا الابتغاء للرضوان بحسب اعتقادهم وفي ظنهم عند من جعل الآية في المشركين ، وقيل المراد بالفضل هنا الثواب لا الأرباح في التجارة . وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا هذا تصريح بما أفاده مفهوم وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أباح لهم الصيد بعد أن حظره عليهم لزوال السبب الذي حرم لأجله وهو الإحرام ، ومثله قوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 10 ] والأمر للإباحة لأن اللّه حرم الصيد على المحرم حالة الإحرام بقوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 1 ] وأباحه له إذا حل من إحرامه بقوله : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وإنما قلنا أمر إباحة لأنه ليس بواجب على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد ، وقرىء أحللتم وهي لغة في حل ، يقال أحل من إحرامه كما يقال حل . وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ تأمّل هذا النهي ، فإن الذين صدوا المسلمين عن دخول مكة كانوا كفارا حربيين ، فكيف ينهى عن التعرض لهم وعن مقاتلتهم ، فلا يظهر إلا أن هذا النهي منسوخ ، ولم أر من نبّه عليه ، أو يقال إن النهي عن التعرض لهم من حيث عقد الصلح الذي وقع في الحديبية فبسببه صاروا مؤمنين ، وحينئذ فلا يجوز التعرض لهم ، ولم أر من نبّه على هذا أيضا . قال ابن فارس : جرم وأجرم ولا جرم بمعنى قولك لا بد ولا محالة وأصلها من جرم أي كسب ، وقيل المعنى لا يحملنكم قاله الكسائي وثعلب وهو يتعدى إلى مفعولين ، يقال جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه ، وقال أبو عبيدة والفراء : المعنى لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل ، والعدل إلى الجور ، والجريمة والجارم بمعنى الكاسب . والمعنى في الآية لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء عليهم أو لا يكسبنكم