صديق الحسيني القنوجي البخاري
188
فتح البيان في مقاصد القرآن
المعاني لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ إذا استمروا على كفرهم وماتوا كافرين وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً من الطرق إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ لكونهم اقترفوا ما يوجب لهم ذلك بسوء اختيارهم وفرط شقائهم وجحدوا الواضح وعاندوا البيّن أي يدخلهم جهنم ، والاستثناء متصل لأنه من جنس الأول والأول عام لأنه نكرة في سياق النفي وإن أريد به طريق خاص أي عمل صالح ، فالاستثناء منقطع قاله الكرخي . خالِدِينَ فِيها وهي حال مقدرة أَبَداً منصوب على الظرفية توكيد خالدين وهو لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل وَكانَ ذلِكَ أي تخليدهم في جهنم أو ترك المغفرة لهم والهداية مع الخلود في جهنم عَلَى اللَّهِ يَسِيراً لأنه سبحانه لا يصعب عليه شيء من مراداته إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من اليهود والنصارى وعبدة الأصنام وغيرهم ، وقيل هو خطاب لمشركي مكة والعبرة بمفهوم اللفظ وهو عام قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ أي محمد صلى اللّه عليه وسلم بدين الإسلام الذي ارتضاه اللّه لعباده ، أو بالقرآن الذي هو الحق من عند ربكم وهو تكرير للشهادة وتقرير لحقيّة المشهود به ، وتمهيد لما بعده من الأمر بالإيمان . فَآمِنُوا قال سيبويه والخليل أي اقصدوا أو آتوا خَيْراً لَكُمْ وقال الفراء : فآمنوا إيمانا خيرا لكم ، وقال أبو عبيدة والكسائي : فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم ، وأقوى هذه الأقوال الثالث ثم الأول ثم الثاني على ضعف فيه . وَإِنْ تَكْفُرُوا أي وإن تستمروا على كفركم وتجحدوا رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم وتكذّبوا بما جاءكم به من الحق فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من مخلوقاته وأنتم من جملتهم ، ومن كان خالقا لكم ولها فهو قادر على مجازاتكم بقبيح أفعالكم . ففي هذه الجملة وعيد لهم مع إيضاح وجه البرهان وإماطة الستر عن الدليل بما يوجب عليهم القبول والإذعان ، لأنهم يعترفون بأن اللّه خالقهم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] وهو يعم ما اشتملنا عليه وما تركبتا منه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بمن يؤمن ومن يكفر حَكِيماً لا يسوي بينهما في الجزاء . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 171 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 171 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قيل نزلت في النصارى وقيل فيهم وفي اليهود لا تَغْلُوا فِي