صديق الحسيني القنوجي البخاري

170

فتح البيان في مقاصد القرآن

بنورهم ، فتلك خديعة اللّه إياهم ، وعن السدي ومجاهد وسعيد بن جبير نحوا نحوه ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير فإن مثله لا ينقل إلا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم . وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ مع المؤمنين قامُوا كُسالى جمع كسلان والمراد أنهم يصلّون وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا ، وقرىء كسلى والكسل والكسل الفتور والتواني وأكسل إذا جامع ولم ينزل وفتر . يُراؤُنَ النَّاسَ أي لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة لا لأجل الدين ، قال قتادة : واللّه لولا الناس ما صلّى منافق ، والرياء إظهار الجميل ليراه الناس لا لاتباع أمر اللّه وقد تقدم بيانه ، والمراآة المفاعلة قاله الزمخشري والجملة حال وقيل استئناف وقيل بدل وفيه نظر . وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا ذكرا قَلِيلًا أو لا يصلّون إلا صلاة قليلة ، ووصف الذكر بالقلة لعدم الاخلاص أو لكونه غير مقبول أو لكونه قليلا في نفسه ، لأن الذي يفعل الطاعة لقصد الرياء إنما يفعلها في المجامع ولا يفعلها خاليا كالمخلص ، قال ابن عباس : إنما قلّ ذلك لأنهم يفعلونه رياء سمعة ولو أرادوا بذلك القليل وجه اللّه لكان كثيرا . عن ابن جريج في الآية قال نزلت في عبد اللّه بن أبيّ وأبي عامر بن النعمان ، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة وصف صلاة المنافق وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر اللّه فيها إلا قليلا « 1 » . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 143 إلى 144 ] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ أي بين الإيمان والكفر المعلومين من المقام ، والمذبذب المتردد بين أمرين والذبذبة الاضطراب ، يقال ذبذبه فتذبذب ، قال ابن جني : المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال ، فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين ، لا مخلصين الإيمان ، ولا مصرحين بالكفر . قال في الكشاف : وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى أي يذاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد ، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه انتهى ، وانتصاب مذبذبين إما على الحال أو على الذم .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 195 ، وأبو داود في الصلاة باب 5 ، والترمذي في المواقيب باب 6 ، والنسائي في المواقيت باب 9 ، وأحمد في المسند 3 / 149 .