صديق الحسيني القنوجي البخاري
17
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمراد بالمعروف المتعارف به بين الناس فلا يترفه بأموال اليتامى ويبالغ في التنعم بالمأكول والمشروب والملبوس ، ولا يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة ، قال عطاء وعكرمة : يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف ولا يكتسي ولا يلبس الكتان ولا الحلل ، ولكن يأكل ما يسد به الجوع ويلبس ما يستر العورة . وقال الحسن : يأكل من تمر نخله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه ، فأما الذهب والفضة فلا يأخذ منه شيئا فإن أخذ وجب عليه رده ، وقال الكلبي : المعروف هو ركوب الدابة وخدمة الخادم ، وليس له أن يأكل من ماله شيئا ، وقال قوم : هو أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله ، ولا قضاء عليه ، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم ، والأول أولى . وقال ابن عباس في الآية نسختها إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى [ النساء : 10 ] الآية والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين مما يصلحهم كالأب والجد ووصيهما . وقال بعض أهل العلم : المراد بالآية اليتيم إن كان غنيا وسّع عليه وعف عن ماله ، وإن كان فقيرا كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له ، وهذا القول في غاية السقوط . وعن ابن عباس قال : إن كان فقيرا أخذ من فضل اللبن وأخذ من فضل القوت ولا يجاوزه وما يستر عورته من الثياب ، فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو في حل . أخرج البيهقي وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال : إني أنزلت نفسي من مال اللّه منزلة ولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت . وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال ليس لي مال ولي يتيم فقال : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثّل مالا ومن غير أن تقي مالك بماله « 1 » . فَإِذا حصل مقتضي الدفع و دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ بعد رعاية الشرائط المذكورة : فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم ، وتأمنوا عاقبة الدعاوى الصادرة منهم ، وقيل إن الإشهاد المشروع هو على ما أنفقه عليهم الأولياء قبل رشدهم ، وقيل هو على رد ما استقرضه إلى أموالهم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الشروط باب 19 ، والوكالة باب 12 ، ومسلم في الوصية حديث 15 ، وأبو داود في الوصايا باب 13 ، والترمذي في الأحكام باب 36 ، والنسائي في الوصايا باب 11 ، وابن ماجة في الوصايا باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 13 ، 216 .