صديق الحسيني القنوجي البخاري

163

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل رد الضمير إلى المعنى دون اللفظ ، وقال الأخفش : تكون أو بمعنى الواو ، وقيل : إنه يجوز ذلك مع تقدم ذكرهما كما في قوله تعالى : وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [ النساء : 12 ] وقد تقدم في مثل هذا ما هو أبسط مما هنا ، وقرأ أبيّ فاللّه أولى بهم . فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى في الشهادة أَنْ تَعْدِلُوا إما من العدل كأنه قال : فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس ، واختاره الزمخشري أو من العدول واختاره القاضي كأنه قال : فلا تتبعوا الهوى مخافة أن تعدلوا عن الحق أو كراهة أن تعدلوا عنه . وَإِنْ تَلْوُوا من اللّي يقال لويت فلانا حقه إذا دفعت عنه والمراد لي الشهادة ميلا إلى الشهود عليه ، وقرأ الكوفيون وأن تلوا من الولاية أي وإن تلوا الشهادة وتتركوا ما يجب عليكم من تأديتها على وجه الحق ، وقد قيل إن هذه القراءة تفيد معنيين الولاية والإعراض ، والقراءة الأولى تفيد معنى واحدا ، وهو الإعراض . وزعم بعض النحويين أن القراءة الثانية غلط ولحن لأنه لا معنى للولاية هنا ، قال النحاس : وغيره وليس يلزم هذا ولكن يكون تلوا بمعنى تلووا ، والمعنى ما قال ابن عباس : يلوي لسانه بغير الحق ولا يقيم الشهادة على وجهها . أَوْ تُعْرِضُوا عن تأدية الشهادة من الأصل ، وقيل معناه التحريف والتبديل في الشهادة ، وقيل هو خطاب مع الحكام أن يميلوا مع أحد الخصمين أو يعرضوا عنه بالكلية فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من اللّيّ والاعراض أو من كل عمل خَبِيراً وفي هذا وعيد شديد لمن لم يأت بالشهادة كما يجب عليه . وقد روي أن هذه الآية تعم القاضي والشهود أما الشهود فظاهر ، وأما القاضي فذلك بأن يعرض عن أحد الخصمين أو يلوي عن الكلام معه ، وقيل هي خاصة باليهود ، قال ابن عباس : أمر اللّه المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم لا يهابون غنيا لغنائه ولا يرحمون مسكينا لمسكنته ، وقال الرجلان يجلسان عند القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 136 إلى 137 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 136 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ( 137 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب لكافة المسلمين ، وذكر ذلك عقب الأمر بالعدل لأنه لا يكون العدل إلا بعد الاتصاف بالإيمان ، فهو من ذكر السبب بعد المسبب آمِنُوا بِاللَّهِ