صديق الحسيني القنوجي البخاري
152
فتح البيان في مقاصد القرآن
وبين هذا القول الشنيع ، أو حال على إضمار قد أي وقد قال ، أو استئناف ، ولأتخذن جواب قسم محذوف ، والنصيب المفروض هو المقطوع المقدر أي لأجعلن قطعة مقدرة من عباد اللّه تحت غوايتي وفي جانب إضلالي حتى أخرجهم من عبادة اللّه إلى الكفر به . عن مقاتل بن حيان قال هذا إبليس يقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، وعن الربيع بن أنس مثله . قلت : وهذا صحيح معنى ويعضد قوله تعالى لآدم يوم القيامة أخرج من ذريتك بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار ؟ فيقول اللّه تعالى أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعند ذلك تشيب الأطفال من شدة الهول ، أخرجه مسلم . فنصيب الشيطان هو بعث النار ، والمعنى لأتخذن منهم حظا مقدرا معلوما فكل ما أطيع فيه إبليس فهو نصيبه ومفروضه ، وأصل الفرض القطع ، وهذا النصيب هم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه . وَلَأُضِلَّنَّهُمْ اللام جواب قسم محذوف ، والإضلال الصرف عن طريق الهداية إلى طريق الغواية والمراد به التزيين والوسوسة وإلا فليس إليه من الإضلال شيء ، قال بعضهم لو كان الإضلال إلى إبليس لأضلّ جميع الخلق وهكذا اللام في قوله : وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ والمراد بالأماني التي يمنيهم بها الشيطان هي الأمانيّ الباطلة الناشئة عن تسويلة ووسوسته قال ابن عباس يريد تسويف التوبة وتأخيره . قال الكلبي : أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ، وقيل إدراك الجنة مع المعاصي وقيل أزيّن لهم ركوب الأهواء والأهوال الداعية إلى العصيان وقيل طول البقاء في الدنيا ونعيمها ليؤثروها على الآخرة ، ولا مانع من حمل اللفظ على الجميع . وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ أي ولآمرنهم بتبتيك آذانها أي تقطيعها فليبتكنها بموجب أمري والبتك القطع ومنه سيف باتك يقال بتكة وبتكة مخففا ومشددا ، وقد فعل الكفار ذلك امتثالا لأمر الشيطان واتباعا لرسمه فشقوا آذان البحائر « 1 » والسوائب « 2 » كما ذلك معروف ، قال قتادة : التبتيك في البحيرة والسائبة يبتكون آذانها لطواغيتهم وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ بموجب أمري لهم . واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو فقالت طائفة : هو الخصي وفقء العين وقطع الأذن ، وقال آخرون : إن المراد هو أن اللّه سبحانه خلق الشمس والقمر والأحجار والنار ونحوها من المخلوقات لما خلقها له فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة وبه قال الزجاج ، وقال المراد تغيير الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها وقيل نفي الانساب واستلحاقها
--> ( 1 ) البحيرة : هي الناقة التي تشق أذنها وتخلى للطواغيت إذا ولدت خمسة أبطن أخرها ذكر . ( 2 ) السائبة : هي الناقة التي تسيب للأصنام لنحو برء من مرض أو نجاة في حرب .