صديق الحسيني القنوجي البخاري
149
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقد وردت أحاديث صحيحة في الصمت والتحذير عن آفات اللسان والترغيب في حفظه وفي الحث على الإصلاح بين الناس ، ولعل وجه تخصيص هذه الثلاثة بالذكر ، أن عمل الخير المتعدي للناس إما إيصال منفعة أو دفع مضرة ، والمنفعة إما جسمانية وإليه الإشارة بقوله إلا من أمر بصدقة وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف ، ودفع الضرر أشير إليه بقوله أو إصلاح بين الناس قاله أبو السعود . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ إشارة إلى الأمور المذكورة ، جعل مجرد الأمر بها خيرا ثم رغب في فعلها بقوله هذا لأن فعلها أقرب إلى اللّه من مجرد الأمر بها إذ خيرية الأمر بها إنما هي لكونه وسيلة إلى فعلها أو أراد ومن يأمر بذلك ، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل أيضا فعل من الأفعال . ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ علة للفعل لأن من فعلها لغير ذلك فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء بل قد يكون غير ناج من الوزر ، وإنما الأعمال بالنيات فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ في الآخرة إذا فعل ذلك ابتغاء لمرضات اللّه أَجْراً عَظِيماً لا حدّ له ولا يعلم قدره إلا اللّه . وأخرج أبو نصر السجزي في الإنابة عن أنس قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن اللّه أنزل على القرآن يا أعرابي لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ [ النساء : 114 ] إلى قوله : عَظِيماً يا أعرابي الأجر العظيم الجنة » ، قال الأعرابي : الحمد للّه الذي هدانا للإسلام . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 115 ] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 115 ) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ المشاقة المعاداة والمخالفة مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ أي وضح وظهر لَهُ الْهُدى بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك ثم يفعل المشاقة وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي غير طريقهم وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه في الاعتقاد والعمل والقول نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى أي نجعله واليا لما تولاه واختاره من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا ونتركه وما اختاره لنفسه . وَنُصْلِهِ أي نلزمه وندخله في الآخرة ، وأصله من الصلّي وهو لزوم النار وقت الاستدفاء جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً مرجعا هي ، وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ . ولا حجة في ذلك عندي لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب ، فلا يصدق على عالم من