صديق الحسيني القنوجي البخاري
142
فتح البيان في مقاصد القرآن
ولم يبين في الآية الكريمة كم تصلي كل طائفة من الطائفتين ، وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء مختلفة ، وصفات متعددة وكلها صحيحة مجزية ، من فعل واحدة منها فقد فعل ما أمر به ، ومن ذهب من العلماء إلى اختيار صفة دون غيرها فقد أبعد عن الصواب ، وقد أوضحنا هذا في شرحنا لبلوغ المرام وفي شرحنا للدرر البهية . وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً هذه الجملة متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم اللّه بالحذر وأخذ السلاح أي ودوا غفلتكم عن أخذ السلاح وعن الحذر إذا قمتم إلى الصلاة ليصلوا إلى مقصودهم وينالوا فرصتهم فيشدون عليكم شدة واحدة ويحملون عليكم حملة واحدة ، والأمتعة ما يتمتع به في الحرب ، ومنه الزاد والراحلة ، والخطاب للفريقين بطريق الالتفات . وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ رخص لهم سبحانه في وضع السلاح إذا نالهم أذى من مطر ، وفي حال المرض لأنه يصعب مع هذين الأمرين حمل السلاح ، وعن ابن عباس قال : نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحا ، أخرجه البخاري وغيره . ثم أمرهم بأخذ الحذر فقال : وَخُذُوا حِذْرَكُمْ لئلا يأتيهم العدو على غرة وهم غافلون ، والمعنى راقبوا عدوكم ولا تغفلوا عنه ، أمرهم بالتحفظ والتحرز والاحتياط ، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولين للشافعي ، والثاني أنه سنة ورجحه الشيخان إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يهانون به أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم ، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من اللّه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 103 ] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ( 103 ) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ أي فرغتم من صلاة الخوف وهو أحد معاني القضاء ، ومثله فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [ البقرة : 200 ] و فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 10 ] فَاذْكُرُوا اللَّهَ الأمر للندب لأنه في الفضائل قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ في جميع الأحوال حتى في حال القتال ، قال ابن عباس بالليل والنهار وفي البر والبحر وفي السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة والسرّ والعلانية وعلى كل حال . وعن ابن مسعود أنه بلغه أن قوما يذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، فقال إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائما صلى قاعدا ، وقد ذهب جمهور العلماء