صديق الحسيني القنوجي البخاري

135

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يحتمل أن يكون ماضيا وحذفت منه علامة التأنيث لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي ، ويحتمل أن يكون مستقبلا ، والأصل تتوفاهم ، عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار وقيل تقبض أرواحهم ، وهو الأظهر . والمراد بالملائكة ملك الموت وحده ، وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم لقوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [ السجدة : 11 ] وقيل ملك الموت وأعوانه ، وعلى الأول يكون المراد بالملائكة الزبانية الذين يلون تعذيب الكفار . ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالمقام مع الكفار وترك الهجرة ، نزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتدا فقتل كافرا قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ سؤال توبيخ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم قيل المعنى أكنتم في أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أو كنتم مشركين ، قاله القرطبي . وقيل : إن معنى السؤال التقريع لهم بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين ، قال أبو حيان : أي في حالة كنتم بدليل الجواب أي في حالة قوة أو ضعف . قالُوا على وجه الكذب معتذرين كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ عاجزين عن الهجرة فِي الْأَرْضِ مكة لأن سبب النزول من أسلم بها ولم يهاجر ، وهذا اعتذار غير صحيح إذ كانوا يستطيعون الحيلة ويهتدون السبيل . ثم أوقفتهم الملائكة على ذنبهم وألزمتهم الحجة وقطعت معذرتهم حيث قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً قيل المراد بهذه الأرض المدينة والأولى العموم اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو الحق ، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها ، ويراد بالأرض الأولى كل أرض ينبغي الهجرة منها . فَتُهاجِرُوا فِيها وتخرجوا من بين أظهر المشركين ، قال الواحدي : فيه أن اللّه لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ أي منزلهم جَهَنَّمُ وَساءَتْ أي جهنم مَصِيراً أي مكانا يصيرون إليه . والآية تدل على أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب بأي سبب كان وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره ، حقّت عليه المهاجرة ، وفي الباب أحاديث ذكرناها في جواب سؤال عن الهجرة من أرض الهند اليوم بالفارسية فليرجع إليه . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 98 إلى 99 ] إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 ) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ الذين صدقوا في استضعافهم مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ