صديق الحسيني القنوجي البخاري

128

فتح البيان في مقاصد القرآن

بين حكم القاتل عمدا ، وقد اختلف العلماء في معنى العمد فقال عطاء والنخعي وغيرهما : هو القتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المحدود ، أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها . وقال الجمهور : إنه كل قتل من قاتل قاصد للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك ، وقيده بعض أهل العلم بأن يكون بما يقتل مثله في العادة . وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام : عمد وشبه عمد وخطأ ، واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هذا مقام بسطها . وذهب آخرون إلى أنه ينقسم إلى قسمين عمد وخطأ ، ولا ثالث لهما ، واستدلوا بأنه ليس في القرآن إلا القسمان ، ويجاب عن ذلك بأن اقتصار القرآن على القسمين لا ينفي ثبوت قسم ثالث بالسنة وقد ثبت ذلك بالسنة . فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها أي فجعل جزاؤه ذلك بكفره وارتداده أو حكم عليه بها ، وهو الذي استثناه النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة عمّن أمّنه من أهلها فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ لأجل كفره وقتله المؤمن متعمدا وَلَعَنَهُ طرده عن رحمته وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً في النار . وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمدا فجمع اللّه له فيها بين كون جهنم جزاء له أي يستحقها بسبب هذا الذنب ، وبين كونه خالدا فيها ، وبين غضب اللّه ولعنته له وإعداده له عذابا عظيما ، وليس وراء هذا التشديد تشديد ، ولا مثل هذا الوعيد وعيد . وقد اختلف العلماء هل لقاتل العمد من توبة أم لا ؟ فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال : اختلف فيها علماء أهل الكوفة فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً وهي آخر ما نزل وما نسخها شيء ، وقد روى النسائي عنه وعن زيد بن ثابت نحوه . وممّن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو هريرة وعبد اللّه بن عمرو وأبو سلمة وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم نقله ابن أبي حاتم عنه . وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة واستدلوا بمثل قوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [ التوبة : 104 ] وقوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] وقوله : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [ طه : 82 ] . قالوا أيضا : والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون معناهما : فجزاؤه جهنم إلا من تاب لا سيما وقد اتحد السبب وهو القتل والموجب وهو التوعّد بالعقاب .