صديق الحسيني القنوجي البخاري
123
فتح البيان في مقاصد القرآن
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيهم فرقتين ، فرقة تقول نقتلهم وفرقة تقول لا فأنزل اللّه فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ الآية فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنها طيبة وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة » « 1 » ، هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية وقد رويت أسباب غير ذلك . وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ حكى الفراء والنضر بن شميل والكسائي أركسهم وركسهم أي ردهم إلى الكفر ونكسهم ، فالركس والنكس قلب الشيء على رأسه أو رد أوله إلى آخره والمنكوس المركوس بِما كَسَبُوا الباء للسببية أي أركسهم بسبب كسبهم وهو لحوقهم بدار الكفر . والاستفهام في قوله : أَ تُرِيدُونَ للتقريع والتوبيخ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وهذا خطاب للفئة التي دافعت عن المنافقين ، وفيه دليل على أن من أضله اللّه لا ينجع فيه هداية البشر إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي طريقا إلى الهداية . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هؤلاء المنافقين ، وإيضاح أنهم يودون أن يكفر المؤمنون كما كفروا ، ويتمنون ذلك عنادا وغلوا في الكفر وتماديا في الضلال ، وقيل ودوا كفركم ككفرهم وودوا مساواتكم لهم فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ أي إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم فلا تتخذوهم أولياء وجمع الأولياء لمراعاة جمعية المخاطبين ، فالمراد النهي عن أن يتخذ منهم وليّ ولو واحدا . حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هجرة صحيحة تحقق إيمانهم ، والمراد بالهجرة هنا الخروج مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للقتال في سبيله مخلصين صابرين محتسبين ، قال عكرمة : هي هجرة أخرى . فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الهجرة للقتال في سبيل اللّه فَخُذُوهُمْ إذا قدرتم عليهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحل والحرم ، فإن حكمهم حكم سائر المشركين قتلا وأسرا وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا توالونه وَلا نَصِيراً تستنصرون به . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 90 ] إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ( 90 ) إِلَّا الَّذِينَ هذا مستثنى من الأخذ والقتل فقط ، وأما الموالاة فحرام مطلقا لا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 17 ، وابن ماجة في الفتن باب 33 ، وأحمد في المسند 5 / 184 ، 187 ، 188 .