صديق الحسيني القنوجي البخاري

111

فتح البيان في مقاصد القرآن

بجهاد الكفار والخروج في سبيل اللّه ، والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل قال الفراء : أكثر الكلام الحذر ، والحذر مسموع أيضا يقال خذ حذرك أي احذر وتيقظ له ، قيل معنى الآية لهم بأخذ السلاح حذرا لأن به الحذر . فَانْفِرُوا نفر ينفر بكسر الفاء نفيرا ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء نفورا ، والمعنى إنهضوا لقتال العدو ، أو النفير اسم للقوم الذين ينفرون . وأصله من النفار والنفور والنفر وهو الفزع ، ومنه قوله تعالى : وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً [ الإسراء : 46 ] أي نافرين ، يقال نفر إليه أي فزع ، والنفر الجماعة كالقوم والرهط والاسم النفر بفتحتين . وقوله : ثُباتٍ جمع ثبة أي جماعة من الرجال فوق العشرة وقيل فوق الاثنين ، والمعنى انفروا جماعات متفرقات سرية بعد سرية أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً أي مجتمعين جيشا واحدا ، ومعنى الآية الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين ليكون ذلك أشد على عدوهم ، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء إذا نفر كل واحد منهم وحده أو نحو ذلك . وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ التوبة : 41 ] وبقوله : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ [ التوبة : 39 ] والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان ( إحداهما ) في الوقت الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع ، ( والأخرى ) عند الاكتفاء بنفور البعض دون البعض . وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ التبطئة والإبطاء التأخر ، والمراد المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم ، والمعنى أن من دخلائكم وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقا من يبطّىء المؤمنين ويثبطهم ، واللام في قوله ( لمن ) لام توكيد للابتداء ، وفي قوله : لَيُبَطِّئَنَّ لام جواب القسم . فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال قالَ هذا المنافق قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً أي حاضر الوقعة حتى يصيبني ما أصابهم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 73 إلى 74 ] وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ( 73 ) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( 74 ) وَلَئِنْ لام قسم أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أي غنيمة أو فتح ونسبة إضافة الفضل إلى جانب اللّه تعالى دون إصابة المصيبة من العادات الشريفة التنزيليّة ، كما في قوله : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] وتقديم الشرطية الأولى لما أن مضمونها لمقصدهم أوفق ، وأثر نفاقهم فيها أظهر . لَيَقُولَنَّ هذا المنافق قول نادم حاسد كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أي