صديق الحسيني القنوجي البخاري

98

فتح البيان في مقاصد القرآن

من سجد لآدم جبرائيل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون ، واللّه أعلم إِلَّا إِبْلِيسَ استثناء متصل ، لأنه كان من الملائكة على ما قاله الجمهور ، قال شهر بن حوشب وبعض الأصوليين كان من الجن الذين كانوا في الأرض فيكون الاستثناء على هذا منقطعا ، واستدلوا على هذا بقوله تعالى : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] وبقوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] والجن غير الملائكة وأجاب الأولون بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس عن جملة الملائكة لما سبق في علم اللّه من شقائه عدلا منه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [ الأنبياء : 23 ] وليس في خلقه من نار ولا تركب الشهوة فيه حين غضب اللّه عليه ما يدفع أنه من الملائكة ، وأيضا على تسليم ذلك لا يمتنع أن يكون الاستثناء متصلا تغليبا للملائكة الذين هم ألوف مؤلفة على إبليس الذي هو فرد واحد بين أظهرهم ، وسمي به لأنه أبلس من رحمة اللّه أي يئس وكان اسمه عزازيل بالسريانية ، وبالعربية الحرث ، فلما عصى غير اسمه فسمي إبليس وغيرت صورته . قال ابن عباس كان إبليس من الملائكة بدليل أنه استثناه منهم ، وقيل إنه من الجن وأنه أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس ، والأول أصح لأن الخطاب كان مع الملائكة فهو داخل فيهم ثم استثناه منهم وعليه أكثر المفسرين كالبغوي والواحدي والقاضي ، وقالوا المعنى كان من الجن فعلا ومن الملائكة نوعا أو لأن الملائكة قد يسمون جنا لاختفائهم . أَبى امتنع من فعل ما أمر به من السجود فلم يسجد ، فيه رد على الجبرية إذ لا يوصف بالإباء إلا من هو قادر على المطلوب وَاسْتَكْبَرَ أي تعظم عن السجود لآدم والاستكبار والاستعظام للنفس ، وقد ثبت في الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الكبر بطر الحق وغمط الناس » « 1 » وفي رواية غمص الناس « 2 » ، وإنما قدم الإباء عليه وإن كان متأخرا عنه في الترتيب لأنه من الأفعال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه من أفعال القلوب ، واقتصر في سورة ص على ذكر الاستكبار ، وفي سورة الحجر على ذكر الإباء وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي من جنسهم في علم اللّه تعالى ، وإنما وجبت له النار لسابق علم اللّه تعالى بشقاوته ، وقيل إن كانَ هنا بمعنى صار قال ابن فورك أنه خطأ ترده الأصول . وأفادت الآية استقباح التكبر والخوض في سر اللّه تعالى ، وإن الأمر للوجوب ،

--> ( 1 ) أخرجه بلفظ : « وغمط الناس » ، أبو داود في اللباس باب 26 ، وأحمد في المسند 1 / 385 ، 427 . ( 2 ) أخرجه بلفظ : « وغمص الناس » ، الترمذي في البر باب 61 ، وأحمد في المسند 4 / 134 ، 151 .