صديق الحسيني القنوجي البخاري

96

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرضها لتغليب العقلاء عليهم ، واختلف أهل العلم هل عرض على الملائكة المسميات أو الأسماء ، والظاهر الأول لأن عرض نفس الأسماء غير واضح ، وعرض الشيء إظهاره ، قال ابن عطية والذي يظهر أن اللّه علم آدم الأسماء وعرض عليه مع ذلك الأجناس أشخاصا ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن أسماء مسمياتها التي قد تعلمها آدم فقال لهم آدم هذا اسمه كذا ، وهذا اسمه كذا ، قال الماوردي فكان الأصح توجه العرض إلى المسمى ، ثم في زمن عرضهم قولان أحدهما : أنه عرضهم بعد أن خلقهم ، الثاني : أنه صورهم بقلوب الملائكة ثم عرضهم . فَقالَ أَنْبِئُونِي أي أخبروني أمر تعجيز ، والنبأ خبر ذو فائدة عظيمة وإيثاره على الإخبار للإيذان برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أني لم أخلق خلقا إلا كنتم أفضل منهم وأعلم ، أمره سبحانه للملائكة بهذا لقصد التبكيت لهم مع علمه بأنهم يعجزون عن ذلك . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 32 إلى 33 ] قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) قالُوا يعني الملائكة سُبْحانَكَ تنزيها لك وذلك لما ظهر عجزهم ، وفيه إشعار بأن سؤالهم كان استفسارا ، ولم يكن اعتراضا « وسبحان » مصدر لا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله كمعاذ اللّه لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا أي إنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ أي بخلقك ، وهو من أسماء الصفات التامة وهو المحيط بكل المعلومات الْحَكِيمُ أي في أمرك . وله معنيان أحدهما : أنه القاضي العدل ، الثاني : المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد . قالَ يعني اللّه تعالى يا آدَمُ استدل به على أن آدم نبي متكلم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ وذلك لما ظهر عجز الملائكة فسمى كل شيء باسمه وذكر وجه الحكمة التي خلق لأجلها بأن قال لهم هذا الجرم يسمى القصعة وحكمته وضع الطعام فيه وهكذا فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فيه دليل على مزية العلم ، وأنه شرط في الخلافة وفضل آدم على الملائكة ، قال الإمام لما أراد اللّه إظهار فضل آدم على الملائكة لم يظهره إلا بالعلم فلو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم كان إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم ، ولذلك أمر اللّه تعالى الملائكة بالسجود له لأجل فضيلة العلم . قلت : ويؤخذ من هذا استحباب القيام للعالم ، وقال الطيبي أفادت هذه الآية علم اللغة فوق التخلي بالعبادة فكيف علم الشريعة .