صديق الحسيني القنوجي البخاري
84
فتح البيان في مقاصد القرآن
والأحاديث في وصف الجنة كثيرة جدا ثابتة في الصحيحين وغيرهما ، وكذلك في صفات نساء أهل الجنة ما لا يتسع المقام لبسطه ، فلينظر في دواوين الإسلام ، وقد ألف الحافظ محمد بن أبي بكر القيم الجوزي كتابا في أحوال الجنة سماه ( حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ) لم يؤلف في الإسلام قبله مثله ، وهو أجمع ما جمع في هذا الباب ، وقد لخصته بحذف الزوائد والأسانيد وسميته ( مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السّلام ) فليرجع إليه ، وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صفات أهل الجنة في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 26 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ ( 26 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً أنزل اللّه هذه الآية ردا على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من الأمثال كقوله مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [ البقرة : 17 ] قوله أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] فقالوا إن اللّه أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال ، وقد قال الرازي : إن اللّه تعالى لما بين الدليل كون القرآن معجزا أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك ؛ وأجاب عنها ، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والعنكبوت والنمل ، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء ؛ فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا ؛ وأجاب اللّه عنها بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على حكمة بالغة انتهى . ولا يخفاك أن تقرير هذه الشبهة على هذا الوجه وإرجاع الإنكار إلى مجرد الفصاحة لا مستند له ولا دليل عليه ؛ وقد تقدمه إلى شيء من هذا صاحب الكشاف ؛ والظاهر ما ذكرناه أولا لكون هذه الآية جاءت بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها ؛ ولا يستلزم استنكارهم لضرب الأمثال بالأشياء المحقرة أن يكون ذلك لكونه قادحا في الفصاحة والإعجاز ، والحياة تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم ، كذا في الكشاف وتبعه الرازي في مفاتيح الغيب ، وقال القرطبي الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح ، وهذا محال على اللّه انتهى . وقد اختلفوا في تأويل ما في هذه الآية من ذكر الحياة فقيل ساغ ذلك لكونه واقعا في الكلام المحكى عن الكفار ، وقيل هو من باب المشاكلة كما تقدم ، وقيل هو جار على سبيل التمثيل ، وضرب المثل اعتماده وصنعه ، والبعوض صغار البق ، الواحدة