صديق الحسيني القنوجي البخاري

80

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فيما مضى وَلَنْ تَفْعَلُوا ذلك فيما يأتي وتبين لكم عجزكم عن المعارضة وذلك أن النفوس الأبيّة إذا قرعت بمثل هذا التقريع استفرغت الوسع في الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه ولو قدروا على ذلك لأتوا به ، فحيث لم يأتوا بشيء ظهرت المعجزة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبان عجزهم ، وهم أهل الفصاحة والبلاغة ، والقرآن من جنس كلامهم وكانوا حراصا على إطفاء نوره وإبطال أمره ، ثم مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة من أحدهم ورضوا بسبي الذراري وأخذ الأموال والقتل ، وإذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإذا كان الأمر كذلك وجب ترك العناد . وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها لأنها لم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيام النبوة وفيما بعدها وإلى الآن ، وقد كرر اللّه سبحانه تحدي الكفار لهذا في مواضع من القرآن منها هذا ، ومنها قوله تعالى في سورة القصص : قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ القصص : 49 ] وقال في سورة سبحان : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] وقال في سورة هود أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ هود : 13 ] وقال في سورة يونس أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 38 ] . وقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل وجه الإعجاز في القرآن هو كونه في الرتبة العلية من البلاغة الخارجة عن طوق البشر أو كان العجز عن المعارضة الصرفة من اللّه سبحانه لهم عن أن يعارضوه ، والحق الأول فإن القرآن يأتي تارة بالقصة باللفظ الطويل ، ثم يعيدها باللفظ الوجيز ولا يخل بالمقصود ، وأنه فارقت أساليبه أساليب الكلام وأوزانه أوزان الأشعار والخطب والرسائل ولهذا تحدت العرب به فعجزوا عنه وتحيروا فيه واعترفوا بفضله ، وهم معدن البلاغة وفرسان الفصاحة حتى قال الوليد بن المغيرة في وصف القرآن : إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لمغدق وإن أعلاه لمثمر ، والكلام في هذا مبسوط في مواطنه . فَاتَّقُوا النَّارَ بالإيمان باللّه وكتبه ورسله والقيام بفرائضه واجتناب مناهيه وقيل المعنى فاحترزوا من إنكار كونه منزلا من عند اللّه فإنه مستوجب للعقاب بالنار الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أي حطبها والوقود بالفتح الحطب وبالضم التوقد ، وقيل كل