صديق الحسيني القنوجي البخاري

73

فتح البيان في مقاصد القرآن

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى يعني المنافقين استبدلوا الكفر بالإيمان ، وإنما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعا على سبيل الاستعارة ، فالشراء ههنا مستعار للاستبدال كقوله تعالى : فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] فأما أن يكون معنى الشراء المعاوضة كما هو أصله حقيقة فلا لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين وما كانوا على الهدى فيبيعوا إيمانهم ؛ والعرب قد تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء ، وأصل الضلالة الحيرة والجور عن القصد وفقد الاهتداء ، ويطلق على النسيان ومنه قوله تعالى : فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [ الشعراء : 20 ] وعلى الهلاك كقوله تعالى : إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [ السجدة : 10 ] والهدى التوجه إلى القصد ، وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين ، والثاني للاستقامة عليه ، قال ابن عباس في الآية اشتروا الكفر بالإيمان وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا ؛ وقال قتادة قد واللّه رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفرقة ، ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السنة إلى البدعة . فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أي ما ربحوا في تجارتهم ، وأصل الربح الفضل عن رأس المال والتجارة صناعة التاجر ، وأسند الربح إليها على عادة العرب في قولهم : ربح بيعك وخسرت صفقتك ، وهو من الإسناد المجازي وهو إسناد الفعل إلى ملابس للفاعل كما هو مقرر في علم المعاني ، والمراد ربحوا وخسروا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أي مصيبين في تجارتهم لأن رأس المال هو الإيمان ، فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى ، وقيل في شرائعهم الضلالة وقيل في سابق علم اللّه . مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً المثل قول يشبه قولا آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره ، ولهذا ضرب اللّه الأمثال في كتابه . وهو أحد أقسام القرآن السبعة ، ولما ذكر حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان ، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه ، ولأن المثل تشبيه الشيء الخفي بالجلي فيتأكد الوقوف على ماهيته : وذلك هو النهاية في الإيضاح ، وشرطه أن يكون قولا فيه غرابة من بعض الوجوه واستوقد بمعنى أوقد مثل استجاب بمعنى أجاب ، فالسين والياء زائدتان ، ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها . فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ يعني النار ، والإضاءة فرضا الإنارة وفعلها يكون لازما ومتعديا ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ الذهاب زوال الشيء وَتَرَكَهُمْ أي أبقاهم ، وترك في الأصل بمعنى طرح وخلى فِي ظُلُماتٍ جمع ظلمة والظلمة عدم النور لا يُبْصِرُونَ هذا المثل للمنافقين لبيان ما يظهرونه من الإيمان مع ما يبطنونه من النفاق لا يثبت لهم به أحكام الإسلام كمثل المستوقد الذي أضاءت ناره ثم طفئت ، فإنه يعود إلى الظلمة ولا تنفعه تلك الإضاءة اليسيرة فكان بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده .